أبجديات في تربية الطفل الوحيد

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
16 - محرم - 1439 هـ| 07 - اكتوبر - 2017


1

قد تبدو للوهلة الأولى تربية طفل وحيد، أسهل بكثير من تربية عدد من الأطفال؛ لكونه طفلا واحدا، فالمشكلات والتحديات التربوية التي سيواجهها الوالدان، ستكون في أضيق نطاق. غير أن الواقع مختلف تماماً. فتربية الطفل الوحيد تواجه عدداً من التحديات والصعوبات والمسؤوليات الوالدية ما يفوق التربية العادية؛ لأن الأبناء داخل البيئة الأسرية يساهمون بإثراء العملية التربوية، فيقدم الكبير للصغير ما تعلمه من قيم، وما تربى عليه من مبادئ بطريقة تلقائية، عن طريق القدوة أو عن طريق استنكاره للسلوك المخالف لما تربى عليه، مما يضطر الإخوة الأصغر للانصياع للجو الأسري العام.

والحديث عن التربية: تعني إشباع الاحتياجات وغرس القيم بأساليب تربوية، تغرس بذور السلوك الإيجابي، وتواجه التحديات والعقبات التربوية بأساليب تقويمية، تشمل المُربي والطفل معا. ودائماً على الوالدين تفهم أن سلوكيات أبنائهم، وخاصة إن كان طفلاً واحدًا، إنما هي انعكاس لسلوكياتهم، لذا فمن المهم تقديم القدوة الإيجابية لهم، والاهتمام بالأساليب التربوية المناسبة لأن لكل أسلوب مخرجاته السلوكية والنفسية التي تتناسب معه.

لذلك كان لابد من إبراز عدد من النقاط التي يجب مراعاتها والانتباه إليها، والتي تُمثل أبجديات في تربة الطفل الوحيد والتي من أهمها:

 إن من أهم احتياجات الطفل الوحيد: الشعور بالانتماء الاجتماعي لأطفال في مثل عمره، واللعب والتفاعل معهم. مع تقديم الحب والإنصات والاهتمام والقبول له، من قبل الوالدين دون أدنى تدليل. بل أن يعامل ككبير، ويحاسب كطفل ليعيش طفولته دون أن ينشأ عديم المسؤولية.

ومن أبرز المشكلات والتحديات التي يواجهها الوالدان هي: محاولة تعويضه عن تفاعله مع إخوة وأخوات بالعطاء المادي؛ لإشباع هذا الجانب. غير أن العطاء المادي لا يمنحه مشاعر التعويض، بل يسوقهه لدرجات من الدلال والإفساد والعزلة؛ بينما هو بحاجة لتفاعل اجتماعي أسري، يُمكن تقديمه جانب منه بسهولة من خلال الوالدين، وتفاعلهم معه ومشاركته في الكثير من الأنشطة، بالإضافة الى تفاعله بشكل طبيعي مع الأطفال في العمره نفسه. سواء ممن له بهم صلة قرابة، أو عبر الأطفال في الحدائق والروضة إن كان قد بلغ سن الروضة.

فجوهر مسؤولية الوالدين في أن يكونا عناصر بديلة عن الإخوة. فإذا كانت المصاحبة الوالدية للطفل باللعب معه، وللمراهق بمصاحبته ومصادقته تحتل أهمية كبيرة في نموهم النفسي. فإن هذه الأهمية تتضاعف مع كون الطفل وحيدا، ولا يجد من يشاركه طفلاً كان أم مراهقاً. مع أهمية توفير جو مناسب لكل مرحلة من مراحل حياته، ليلعب مع أقرانه، ويتعلم التفاعل الاجتماعي السوي ويتخلص من الأنانية، كونه هو المالك الوحيد لكل ما يشتريه له الوالدان من ألعاب دون مشاركة. ويخرج أيضاً من التمركز حول ذاته، ليجد نفسه بين أصدقاء يحبون اللعب معه، وينتظرونه ليشاركهم ويشاركوه. مع تكليفه ببعض المهام الأسرية، بحسب سنه ليتعلم المسؤولية.

ولتفادي المخرجات السلوكية والنفسية السلبية للطفل الوحيد على الوالدين تعويده على الاستقلالية. بمنحه مساحة كافية ليجرب بنفسه دون الخوف عليه؛ إذ إنه في الغالب ما يكون الخوف عليه مبالغاً فيه، بحيث يعيق ويضيق مساحة الحرية لديه. وهذا يربي فيه الاتكالية والخوف. كما أن المبالغة في الهدايا، وتقديم كل شيء له، دون الحاجة لفعله بنفسه، يُفسده ويعيق نموه النفسي السوي. وكذلك الحال إن تم منحه تحفيزاً وإطراء زائداً يوازي أسرة لها عدد من الأطفال بغية تشجيعه. إلا أن ذلك لا يمنحه التشجيع، بقدر ما يُشعره بأنه مخلوق متفرد في إبداعه وذكائه، ولذلك آثاره السلبية على مستقبله. وكذلك يمكن الحد من أنانيته بالسماح له باللعب مع أقرانه بحرية، ليتعلم التعاون والتفاعل. وأنه ليس مركز الكون كما هو يرى نفسه مركز أسرته. وأيضاً بتفاعل الوالدين مع الأسر والأهل، يتعلم أن والديه ليسا من أملاكه، وأن الحياة الطبيعية هي تفاعل مع الآخرين.

وكثيراً ما يخطئ الوالدان في جمع كل أحلامهم وأهدافهم - والتي عادة ما يوزعونها على عدد من الأبناء - في طفل واحد ليكون فريداً مثالياً في كل مجال مبدعاً في كل شيء؛ مما يصيبه ويصيبهم بالإحباط لعدم بلوغ الحد المثالي في تطلعاتهم.

أما من جانب الرقابة عليه: فمن المهم أن تكون رقابته في دائرة واسعة، دون أن يشعر، وأن تُترك له المساحة للاعتماد على نفسه، والعناية بذاته دون تدخل من الوالدين، بل يكونا عوناً له بإرشاده وكذلك مساعدته على اتخاذ قراراته والتفكير السليم دون أخذ القرار عنه. حتى وإن أخطأ فذلك مجال لتعلمه واعتماده على نفسه. مع استخدام أسلوب الثواب والعقاب، وليدرك أن سلوكه محل تقييم ليتقبل فكرة أنه كغيره من الأطفال يكافأ عند اجادته ويعاقب عند خطئه وإلا شب على كل نظام متجاهلاً أي قانون. وكانه فوق كل قانون، فلا يحق لأحد أن يحاسبه. والحياة مدرسة فمن لم تُعلمه أسرته احترام القواعد الاجتماعية، والتعامل باللين مع من حوله؛ فستصدمه الحياة عند كبره ليتعلم درساً قاسياً فيها.

وإن أكثر ما يؤثر على نفسيته: تدليل الوالدين والحماية الزائدة؛ خوفاً عليه وإحساس الوالدين بالحزن أو الذنب، كونه طفلاً وحيداً ليس له إخوة كباقي الأطفال. مما يجعل هذه المشاعر السلبية تنتقل للطفل عن طريقهما وتؤثر عليه. وكذلك تعلق الوالدين الشديد به، ومرافقته في كل مكان، والخوف عليه مما يورثه التعلق والاعتماد عليهما، والخوف من الانفصال عنهما مما يؤثر على تفاعله الاجتماعي، ويحد من قدراته.

فبأيدينا نصنع أطفالنا. وخاصة الوحيد منهم؛ فيمكن أن نجعل من وحدته التميز والسمو بين أقرانه ومجتمعه. ويمكن أن تصنع منه الذات المدللة الأنانية، التي لا يقبلها المجتمع ويرفض اعتماديتها. فبنضج التعامل الوالدي، يتحدد سلوك ونفسية الطفل داخل النطاق الأسري.  فيمكننا أن نبدل مشاعر الحرمان لديه، بمشاعر الاعتزاز بأنه أكثر قرباً من والديه، ويمتلك صداقتهما وهي ما يتمناها الكثير من الأبناء من والديهم. فالطفل الوحيد ليست ظاهرةً رقميةً، إنما وجدانية في المقام الأول. فكم من وحيد مبدع بقرب ودعم والديه. وكم من طفل متعدد الإخوة، يعيش وحيداً لا يجد من يفهمه أو يستمع لمشكلاته فيعيش على هامش الحياة.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...