أبناؤنا والاستعداد للاختبارات

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
07 - شعبان - 1438 هـ| 03 - مايو - 2017


ها هو جوُّ الاختبارات قد بدأ يخيم علينا، وها نحن قد بدأنا نشعر بهذا التوتر والارتباك الذي نعيشه كل عام مع أبنائنا، فرغم مرورنا بالتجربة بشكل دوري، ورغم محاولات البعض منا التعايش مع هذا الجو العصيب؛ فإننا نخفق كثيرًا في أن نجعله يمر بسلام دون خسائر، تؤثر على صحتنا وصحة أبنائنا البدنية والنفسية، وتؤثر أيضًا على علاقتنا معهم.  

 فنسمع كثيرًا في هذه الأيام شكوى الآباء من إهمال الأبناء وعدم الاكتراث لاقتراب وقت اختباراتهم، رغم صرخاتهم ليل نهار بضـرورة الاستعداد الجيد، والاستفادة من كل دقيقة تمرُّ عليهم في المدة التي تسبق أداء الاختبار.

ويظلُّ الشد والجذب قائمًا بين الآباء وأبنائهم إلى حين انتهاء هذه الاختبارات، ونسمع في هذه الأثناء عن ذلك الأب الذي طرد ابنه من بيته؛ لعدم الامتثال لأوامره في اهتمامه بمذاكرته، وذلك الذي حبس ابنه بين جدران غرفته؛ حتى يستطيع مراقبته والسيطرة علي، وحتى لا يهدر وقته في أي شيء خارج إطار المذاكرة. ونسمع أيضًا عن تلك الأم التي تصـرخ ليل نهار متهمةً أبناءها بالتقصير واللامبالاة التي تصيبهم بشدة في هذا الوقت العصيب، ولا أحد من أبنائها يهتم لصرخاتها. ولا يجمِّل هذه الصورة إلا بعض الأبناء الذين يقدِّرون الأمر حق قدره، ويعدُّون العدة لاجتياز هذه الاختبارات، فتقلّ في بيوتهم حالة التوتر السائدة في هذا الوقت من العام؛ لاقتناع الوالدين بأن أبناءهم لا يقصـرون في الاستعداد لاختباراتهم.

          وأرى أن الشد والجذب مع الأبناء المقصِّـرين، أو الذين نراهم مقصِّـرين من وجهة نظرنا، لا يأتي - في غالب الأحيان- بنتيجة مثمرة، بل أحيانًا تكون النتيجة عكسية؛ فيوهمنا الأبناء أنهم يذاكرون، والحقيقة تكون غير ذلك. ولذلك ينبغي على الوالدين ـ خاصة الأم- التصالح مع الأبناء على طريقة يختارونها بأنفسهم؛ للاستفادة من أوقاتهم، وزيادة درجة تحصيلهم لعلومهم، فتقترح عليهم أن يقوم كل منهم بعمل جدول يناسبه، يقسم فيه مهامه على ساعات يومه؛ فيشعر بالمسؤولية، ويبدأ في تنفيذ ما حدده، وتراقب الأم معهم آلية التنفيذ بهدوء ودون توتر.

وننتبه هنا إلى أمر مهم، وهو أنه ليس معنى أن الطالب يستعد لاختباره، أنه سيحرم نفسه من جميع الأنشطة البدنية والترفيهية، ويظل حبيس كتبه لا يقوم من مكانه إلا لضـرورة؛ فهذه الطريقة، تجعل الملل يتسلل بسرعة إلى نفس الطالب، وربما يكتئب، وقد ينام فوق كتابه، وهذه نتيجة طبيعية، والأمر لا يحتاج منا إلى صراخ وعصبية قد يتسببان في استيقاظه فزعًا؛ مما قد يسبب له الضرر لا قدر الله، ولا يحتاج أيضًا إلى الشجار معه، في هذا الوقت الذي يطلب فيه الراحة النفسية ليستطيع التركيز.

 والطريقة المثمرة للمذاكرة هي: أن يذاكر الطالب قدر استطاعته، ثم يرتاح قليلًا، ونسمح له وقت استراحته بمزاولة أي نشاط  لتغيير حالة الرتابة والملل، وينبغي ألا نسمعه وابلًا من التوبيخات إذا وجدناه خارجًا من غرفته ليرتاح، بل نقابله بابتسامة، ونعينه على سرعة الاستجمام، وننتبه إليه جيدًا؛ فننبهه إذا أطال وقت استراحته، ونسي مهامه الأساسية. ولنتذكر دائمًا أن ابننا في وقت عصيب، ويحتاج منا الدعم والاحتواء، فلا نضخم له الأمور، ولا نثقل عليه بضغوط الصراخ والنقد اللاذع، بل ينبغي أن نوفر له الجو الهادئ اللازم، لبث روح الأمل في نفسه، وزيادة القدرة على التركيز.

ومما يساعد الأبناء على الاستمتاع بوقت مذاكرتهم اهتمام الأم بهم، فتعدُّ لهم كأسًا من الشاي أو القهوة، أو طبقًا يفضلونه، أو أي نوع من أنواع الحلوى التي يحبونها؛ فهذا كفيل بتغيير جو الضغط والملل الذي تسببه المذاكرة لساعات طويلة.

 وفي هذه الأيام: ينبغي أن تُقدَّم للطالب الأطعمة التي تساعد على زيادة القدرة على التركيز وتقوية الذاكرة، وتعمل على تحسين الحالة المزاجية بزيادة الشعور بالسعادة، كالمكسـرات والشيكولاته والتمر والموز والعسل الأبيض، وأيضًا بعض المشـروبات الساخنة كالشاي، خاصة الأخضر، والقهوة التي تساعد على تنبيه المخ ليعمل بكفاية، فلا مانع من شرب الطالب، قبل خروجه من بيته متوجهًا إلى قاعة اختباره، لكأسٍ صغيرة من هذه المشروبات، إن كان معتادًا على شربها، ولا يحبذ الإفراط في تناول هذه المنبهات.

ومما يساعد على التخفيف من حدة التوتر قبل دخول الاختبار: قضم الطالب لقطعة من الشيكولاته، وأكل بعض المكسرات، وحبذا لو احتفظ ببعض منها ودخل بها لجنة الاختبار؛ حتى إذا شعر بضيق أو عدم تركيز أخرج إحداها وأكلها؛ فهي تعمل على تحسين مزاجه، وتعين كثيرًا على تنبيه المخ أثناء الإجابة عن الأسئلة.

 وأوصي جميع أبنائي الطلاب والطالبات باغتنام ساعات الفجر الأولى؛ حيث البركة وتقسيم الأرزاق، وفتح أبواب الفهم، ومما يعين على الاستيقاظ في هذه الأثناء هو نوم الطالب مبكرًا قدر استطاعته. فأخذ الجسم كفايته من النوم بالليل، والفطور الجيد في الصباح: يعدَّان من أهم أسباب التركيز، ومن ثمَّ التوفيق للإجابات الصحيحة على أسئلة الاختبار؛ فيحدث كثيرًا أن ننسى ما ذاكرناه جيدًا، ونفقد القدرة على التفكير، إذا كانت أبداننا مرهقة وعيوننا متعبة من السهر.

 ومما كان يوصينا به مدرسونا، جزاهم الله عنا خيرًا، مراجعة ما يصعب علينا قبل نومنا مباشرة، ثم نستيقظ في الصباح الباكر لنراجعه مرةً أخرى، وقبل دخولنا إلى قاعة الاختبار، نمرُّ بأعيننا مرورًا سريعًا عليه، وبمجرد دخولنا قاعدة الاختبار، وتسلمنا أوراق الإجابة، وقبل أن ننظر في الأسئلة، نكتب في هامش ورقة الإجابة جميع ما كان يصعب علينا من قوانين وتعريفات وغيرها؛ لنرجع إليها وقت الحاجة؛ وهذا حفظًا للمادة من الضياع؛ وذلك لأن الذهن في خضم تركيزه في الأسئلة قد يصاب بالتشتيت فينسى ما حفظه من قوانين وتعريفات. ثم بعد ذلك نبدأ بقراءة الأسئلة، ونبدأ دائمًا بالسؤال السهل، ونؤجل الصعب، مع وضع علامة خطأ أمامه؛ حتى لا ننسى أي سؤال لم تتم الإجابة عنه.

 ومما يُوصَى به الأبناء: عدم الاستعجال بالخروج من لجنة الاختبار، قبل انتهاء الوقت المحدد، فينبغي على الطالب مراجعة إجاباته جيدًا، والتأكد من عدم نسيان أي سؤال، ومحاول التفكير في الأسئلة الصعبة وحلها، فكم من طالب فتح الله عليه في اللحظات الأخيرة، قبل تسليمه لورقة الإجابة، وعرف إجابة ما قد صعب عليه في بداية الاختبار. وأؤكد هنا على ضرورة توصية الأبناء بعدم المراجعة مع أصدقائهم بعد خروجهم من قاعة الاختبار، فهذه المراجعة ضررها كبير على الطالب. وقد تؤدي إلى تحطيمه نفسيًّا إن اكتشف أنه أخطأ في الإجابات، وهذا بدوره يؤثر على تحصيله في بقية المواد، فيظل مكتئبًا لإخفاقه في المادة.

ونغرس في نفسه: أن النتائج بيد الله وحده، ولا أحد يستطيع التنبؤ بما سيكون، فكم من طالب أخطأ التقدير؛ فظن أنه راسب في مادة من المواد، ثم فوجئ أنه قد اجتازها بسلام، وبدرجات أعلى من غيرها التي رجَّح تفوقه فيها.

 وأيام الاختبارات فرصة عظيمة لغرس مبادئ التربية الإيمانية في نفوس الأبناء، صغارًا كانوا أم كبارًا، وتعليمهم صدق اللجوء إلى الله ـ تعالى ـ، والتوكل عليه، وتفويض جميع الأمور إليه ـ سبحانه ـ؛ فنرسِّخ في نفوسهم أننا نجتهد في مذاكرتنا ونجدُّ في أعمالنا، مع الإيمان بأن النتائج بيد الله؛ فالله رب الأسباب وفوق الأسباب، والتوفيق منه وحده؛ فنطمئن إلى قدر الله، ونرضى بما يكتبه لنا، وهو - سبحانه- لن يخذل مجتهدًا، ولن يضيِّع أجر من أحسن عملًا. وبهذه الاعتقادات الراسخة يقل التوتر الذي لا مفرَّ منه، ويركز الطالب فيما هو مكلَّف به، تاركًا النتائج على الله؛ فلا يقتله الحزن لعدم أدائه الجيد في مادة من المواد، ولا يدفعه الهمُّ إلى إهمال بقية المواد لما أصابه في تلك المادة.

ومن أعظم ما يقوِّي الصلة بين الأبناء وخالقهم، تعليمهم الدعاء، فيُعلَّم الولد أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؛ لذا يجب أن يتوجه إليه بانكسار، فيدعو لنفسه ولإخوته وأصدقائه بالتوفيق في اختباراتهم. وإذا شعرت الأم بتوتر ابنها قبل ذهابه إلى الاختبار، تهدئ من روعه، وتعلِّق قلبه بالله، وتوصيه بالدعاء حتى يثبته الله، ويفتح له أبواب الفهم، وتوصيه أيضًا بالأدعية المأثورة مثل: «يا حيُّ يا قيوم برحمتك أستغيث»، و"رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي"(سورة طه25_28)، أو أي دعاء يحب أن يتقرب به إلى ربه، وتردد على سمعه دائمًا: «توكَّلْ على الله؛ فمن توكَّل على الله كفاه»، وبهذا يرسخ في نفسه أن الخير كله بيد الله؛ فيطمئن قلبه.

 وينبغي أن نغتنم أوقات الاختبارات، في تقوية أواصر المحبة بين الإخوة، فلو كان أحدهم يستعد لاختبار مهم في حياته الدراسية، كالثانوية العامة مثلاً، فما علينا سوى توصية جميع إخوته بالدعاء له. وحبذا لو شجعت الأم أبناءها على مساعدته، بتوفير الجو الهادئ له، ولها أن تقترح عليهم إعداد طعام أو شراب يعينه على التركيز، أو أداء مهمات، كان يقوم بها، نيابةً عنه، وبهذا يتعلم الابن المروءة، ويرتبط عاطفيًّا بإخوته، فيتعلم نجدة أخيه وقت حاجته إليه، ومساندته ودعمه وقت شدته، وبهذه الأمور اليسيرة، يُغرَس في نفس الأخ أن له إخوة يحبونه، ويتمنون له الخير، فيشبّ جميع الأبناء على الحب والتراحم فيما بينهم.

 وفي نهاية حديثي: أؤكد على أهمية دعاء الوالدين لأبنائهما في جميع أحوالهم، فنعم السلاح الدعاء، ودعاؤنا لأبنائنا من أفضل ما ينتفعون به في حياتهم، خاصةً في أوقاتهم العصيبة كأيام الاختبارات، ولنُسمعهم دعاءنا لهم؛ ليُدركوا كم نحبهم، وكم نحرص على نفعهم؛ فتهدأ نفوسهم، وتزداد سعادتهم؛ لشعورهم بدفء العلاقة بيننا وبينهم.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...