أبناؤنا وثقافة الاعتذار..

دعوة وتربية » نوافذ
17 - محرم - 1441 هـ| 17 - سبتمبر - 2019


1

مها: أبداً لا يمكن أن أعتذر لها أبداً. هذا مبدئي. أنا لا أعتذر لأحد!

قالتها والكبر يملؤها، فازدادت الأمور تعقيداً بين الصديقتين "مها" و"حنين"، وفشلت جهود هند، التي كانت تحاول جاهدة أن تصلح بينهما، وعلى الرغم من أنّ خطأ مها في حقّ "حنين" كان واضحاً للجميع، إلا أنها رفضت أن تعتذر لصديقتها. بينما كانت هند ترى أنّ رفض الاعتذار عن الخطأ ليس بمبدأ.

فأصحاب المبادئ من أهم سماتهم الرجوع إلى الحق والاعتذار عن الخطأ، وبداية ما معنى الاعتذار؟

ورد في معنى الاعتذار: اِعْتَذَرَ: "قَدَّمَ اعْتِذارَهُ": عُذْرَهُ، أَي الحُجَّة الَّتي تُقَدَّمُ لِنَفْيِ ذَنْبٍ أو تَبْريرِهِ  - قاموس المعاني: مادة: ع.ذ.ر -

ابنتي الحبيبة

الاعتذار خلق أصيل، لابد للفتاة المؤمنة من توطين نفسها على تقديمه متى بدر منها ما يستوجبه، سواء في علاقتها مع الله تعالى، وكذلك في علاقتها مع الناس.

 وهو شعور بالأسف والندم على فعل شئ أخطأنا فيه، أو بدا لنا خطؤه فيما بعد، ويكون الاعتذار عن الأخطاء المقصودة والغير مقصودة أيضاً.

والاعتذار هو: أن تحذري من الوقوع فيما يجعلك مضطرة  للاعتذار؛ لذلك جاء في وصية موجزة من النبي - صلى الله عليه وسلم – لأبي أيوب الأنصاري –رضي الله عنه "ولا تكلم بكلام تعتذر منه غداً" - رواه أحمد وحسنه الألباني -  .  (محمود محمد الخزندار:هذه أخلاقنا،ص:434).

أعظم أنواع الاعتذار

ألا إنّ أعظم الاعتذار هو الاعتذار لله تعالى، قال عزّ وجلّ: "وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" سورة التوبة،  فالاستغفار والتوبة ما هي إلا اعتذار وندم عما بدر من تقصير في حق الله تعالى، وشرع الله لنا كذلك (الكفارات) كالاعتذار عن الأخطاء الغير مقصودة، مثل القتل الخطأ، قال تعالى: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا" سورة النساء:92.

وللناس في حالة الاعتذار أحوال:

     يَتَفَاوَتُ النَّاسُ فِي فِعْلِهِ وَتَطْبِيقِهِ إِلَى أَصْنَافٍ ثَلاَثَةٍ:

- فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُصِرُّ عَلَى خَطَئِهِ، وَلاَ يَقْبَلُ أَنْ يُقَدِّمَ اعْتِذَارًا عَلَى سُوءِ أَمْرِهِ، أَوْ قَبِيحِ كَلِمَتِهِ، مِنْ بَعْدِ نُصْحِ الآخَرِينَ لَهُ، وَتَبَيُّنِ خَطَئِهِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ؛ لأَنُّهُ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الاعْتِذَارَ عَمَّا بَدَرَ مِنْهُ يُعَدُّ حَطًّا مِنْ قَدْرِهِ, وَدُنُوًّا فِي مَنْزِلَتِهِ.

- وَهُنَاكَ صِنْفٌ ثَانٍ مِمَّنْ يُقِرُّ بِخَطَئِهِ, وَيَعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ, لَكِنَّهُ يَتَبَاطَأُ عَنِ الاعْتِذَارِ, وَقَدْ يَفْعَلُهُ مَتَى مَا بَلَغَهُ النُّصْحُ وَالتَّوْجِيهُ، وَالْحَثُّ عَلَى الاعْتِذَارِ.

- وَهُنَاكَ صِنْفٌ ثَالِثٌ مِمَّنْ يَحْرِصُ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى تَقْدِيمِ الْعُذْرِ عَمَّا قَالَ أَوْ فَعَلَ، بَلْ رُبَّمَا يَكُونُ هُوَ الْمُعْتَدَى عَلَى حَقِّهِ, وَلَكِنَّهُ يُبَادُرِ إِلَى رَدِّ الإِسَاءَةِ بِالإِحْسَانِ؛ امْتِثَالاً لِقَوْلِ الْعَفُوِّ الرَّحْمَنِ, الرَّحِيمِ الْمَنَّانِ: "وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ"  - فصلت:34- 35-

فوائد الاعتذار:

إنّ حاجتنا إلى ثقافة الاعتذار، وغرسها وتعميقها في نفوسنا، أمر مُلِّح، وأمر نحتاج إليه إن أردنا رضا الله عز وجل، والرفعة لديننا، والنهضة لمجتمعاتنا، فهو يغرس فينا المسؤولية، والوقوف على ما فعلنا من خير فنستمر فيه، وما بدر منا من خطأ فنتراجع عنه، ونقوّمه، بمقياس النقد الذاتي، وبوسائل العلاج السليمة؛ والمجتمع الذي يفقد خلق الاعتذار، ويكابر فيه الجميع، مجتمع يخسر دينه ودنياه.

كما أنّ الاعتذار ينسبكِ للتواضع وينفي عنك الكبر، وينفي من قلب أحبابك الحقد، والبغضاء، ويدفع عنكِ الاعتراض عليك أو إساءة الظن بك، يقول ابن القيم – رحمه الله : "من أساء إليك ثم جاء يعتذر عن إساءته فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته،  وعلامة الكرم والتواضع أنك إذا رأيت الخلل في عذره فلا توقفه عليه ولا تحاجه".

لماذا يصعب الاعتذار على بعض الناس؟

لا شك هناك موانع تقف حائلا بين بعض الناس وبين الاعتذار عن أخطائهم، مثل:

ـ  الجهل: وهو آفة خطرة، تجعل ركاما من العناد والمكابرة في عدم الاعتراف بالخطأ، فالخطأ لا يقدح في شخصه، وأنّ من طبيعته الخطأ، فجهله بطبيعته كبشر وأصله الخطأ، «كل بني آدم خطاء»رواه البيهقي، وصححه عدد من العلماء، وطبيعة الإنسان النسيان كذلك، وهذا يترتب عليه الخطأ، والتقصير، فيستوجب الاعتذار ومعالجة الخطأ بما يتناسب معه، وجهله بدينه الذي يوجب عليه الاعتذار والتراجع عن الخطأ في حق الله تعالى، أو في حق الناس عاجلاً في الدنيا، قبل أن يؤاخذ به في الآخرة.

ـ  الكبر: فهو يغرس في نفس صاحبه الغطرسة، والعلو، وعدم الاعتراف بحقوق الناس في حفظ كرامتهم، وعدم المساس بهم، فهو يرى نفسه فوق الناس، ولقد منع الكبر إبليس من طاعة أمر الله في أن يسجد لآدم، يقول تعالى: "وإذ قال ربك للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين"  سورة البقرة:34، وكان المانع الذي منعه أنه (أبى واستكبر (..!

 ـ الخوف من النقد: فهو يخشى أن يعتذر فيكون ذلك مدعاة لنقده، بأنه إنسان يخطئ، وينسى هذا المسكين أنه باعتذاره يرتفع عن النقد، بل يغلق بابا كبيرا من النقد الهدام في شخصه لو بادر واعتذر..!

وإذا كنت تجدين في نفسك غضاضة من تقديم الاعتذار، فمما يعينكِ على هذا الخلق:

- مراقبة الله عزّ وجلّ: لأنّ المخطئ إذا استحضر عظمة الله عزّ وجلّ واطلاعه عليه،  منعه ذلك من التمادي في الخطأ، وسهّل عليه الاعتذار سواء في حق ربه الذي خلقه فسواه، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنه، ويكون ذلك بالاستغفار والتوبة، أو في حق الآخرين بتقديم الاعتذار لهم وتطييب خاطرهم.

 - أن تعلمي أن الاعتذار قوة: إنّ الاعتذار عن الخطأ أمر عسير على النفس الضعيفة فقط، إلا النفس القوية المؤمنة التي تحصنت بقوة إيمانها، ومراقبتها لربها سبحانه وتعالى، فإنها تبادر بالاعتذار حتى تتخلص من تبعة أخطائها، بل إنه من سمات الشخصية القوية القدرة على مواجهة أخطائها بشجاعة والاعتذار عما بدر منها.

ـ  معرفة أجر الاعتذار: فربما منع البعض عن الاعتذار، عدم معرفته بأجر المعتذر، وأن الله يجب عن المعتذر الذي أخطأ في حق الله ما كان من ذنب، يقول تعالى: "إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما" – سورة الفرقان:70-

ـ إشاعة ثقافة الاعتذار: بمعنى أن تتبني إشاعة هذا الخلق بين زميلاتك والمحيطين بك وحثّ المخطئين عليه، وذلك يكون بذكر قصص الأنبياء والمرسلين في اعتذاراتهم، وفي مواقف الصحابة واعتذار بعضهم لبعض، ومواقف الكبار من السلف الصالح، وقبل ذلك كله، بإشاعة نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة التي تحث على الاعتذار، وتبين أجره، وفضله. (عصام تليمة: مجلة الوعي الإسلامي/عدد رقم:532)

 حسناً سأعتذر ..وماذا بعد..؟

ماذا سيحدث إذا اعتذرت؟ هل يدور في ذهنك هذا السؤال..حسناً ..إليك هذه الثمار التي تجنيها من اعتذارك عن أخطائك بكل شجاعة وحسن خلق:

-   رضا الله عز وجل، فالله سبحانه يرضى عن عبده الذي يقف بين يديه معتذرا معترفا بخطئه، وتقصيره في جنب الله، بل يفرح الله لتوبته وأوبته.

-    الاعتذار يمحو الذنب، ويصفي القلب، وتسود به المحبة والمودة ويرزق المعتذِر التواضع، ويرزق قابل الاعتذار مودة الله فهو – سبحانه- أكثر معاذير من كل أحد فياله من خلق عظيم.

ـ إنهاء الخصومات والعداوات التي قد يؤسس لها الكبر، وعدم إنهاء المواقف والمشاحنات بشكل سليم بينك وبين الناس، وبالاعتذار من المخطئ تنتهي الخصومة، يقول تعالى: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. وإما ينزغنّك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم} – فصلت:36:34-

ـ  إشاعة روح المحبة والأخوة بينك وبين زميلاتك، وهذا هو الأصل في علاقة المسلمة بأخواتها وصديقاتها، عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل المسلمين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، وتآلفهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».- رواه البخاري ومسلم- 

أخيراً ابنتي الحبيبة

من يريد أن يصبح وحيداً، فليتكبر وليتجبر وليعش في مركز الحياة الذي لا يراه سواه.

ومن يريد العيش مع الناس يرتقي بهم. لا عليهم .. فليتعلم فن الاعتذار....

يقول الشاعر:

إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه *** وكان الذي لا يقبل العذر جانيا

المراجع

-        الشخصية الساحرة: كريم الشاذلي ص:212

-        الدور التربوي للوالدين في تنشئة الفتاة المسلمة: حنان عطية الطوري.

-        هذه أخلاقنا: محمود الخزندار.

-        مجلة الوعي الإسلامي.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...