أبنائي منظمون .. لا أصدق!(1)

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
20 - جماد أول - 1428 هـ| 06 - يونيو - 2007


1

 هل من الممكن فعلاً أن أنشئ أبنائي علي النظام ويصبحوا منظمين؟

 سألتني صديقتي هذا السؤال وهي مندهشة، فهي تري أن شأن الأطفال دائماً هو الفوضى في كل شئونهم، في مظهرهم وحجرتهم الخاصة وأدراج لعبهم بل وحتي أدواتهم الدراسية، فإذا شبّوا وكبروا فإنهم حينئذ يتعلمون النظام والترتيب!

فأجبتها قائلةًً:

لا يا صديقتي العزيزة، إنّ بإمكانك أن تنشئي أبناءك علي النظام والترتيب بيسر وسهولة، حتى لو كان داء الفوضى قد تسرّب إليهم بالفعل، فالصغير سريع القبول للعلاج جداً، لعدم وجود المعارِض عنده من كبرٍ أو عناد ٍ أو رياسة، فيمكن ترسيخ الخلق الحسن والعادات السليمة فيه بسهولة، كما أن غرس هذا الخلق والسلوك الحسن في نفس الصغير بدايةً أمر ميسور إن شاء الله.

ولكن ذلك لا يتم بمجرد التمني ولكن من خلال اتباع خطوات عملية تفيدك وتفيد المربين أيضاً في تنشئة الأبناء علي النظام والترتيب وهي :

 1- ضرب المثل والأسوة الحسنة:

أولاً: بنفسك: باكتسابك سلوكيات التنظيم، يتعلم أبناؤك هذا السلوك الراقي، فالقدوة الحسنة خير وسيلة لتعويد الطفل علي النظام،إذ أن الطفل بطبعه ينمو علي التقليد ويقلد غالباً من يحبهم ويعاشرهم لأوقات طويلة، كالوالدين والأشقاء ومجتمع المدرسة، فكونه ينمو ويكبر وهو يري مَن حوله من الكبار يمارسون النظام سلوكاً عملياً في كل شئونهم، يجعل هذا الوسط المنظم يتشرب سلوك النظام والترتيب فلا يحسن غيره من الفوضى والبعثرة.

ثانياً: الرسول صلي الله عليه وسلم قدوتنا في النظام:

قُصََّي علي طفلك مواقف من سيرة النبي صلي الله عليه وسلم والتي يتجلي فيها خلق النظام، مثل موقف الهجرة إلى المدينة، كيف خطط لها النبي صلي الله عليه وسلم ونظّم أمور الهجرة ووزّع الأدوار علي الصحابة الذين شاركوا معه، وكذلك بيان عاقبة مخالفة النبي صلي الله عليه وسلم في تنظيمه للأمور مثل ما حدث في غزوة أُحد عندما خالف الرماة رضي الله عنهم- أمر النبي صلي الله عليه وسلم وتركوا أماكنهم المحددة لهم.

ثالثاً: والصحابة الكرام قدوة لنا في النظام أيضاً:

وكيف لا وقد تخرّج الصحابة الكرام في مدرسة النبوة وتربوا فيها علي النظام والتخطيط، فهذا أبو بكر الصديق يخطط وينفذ جمع القرآن بنظام محكم، وينظم الجيوش لفتح العراق والشام، وكذلك كان الفاروق عمر من بعده فذّاً في الإدارة والتخطيط والتنظيم، فهو أول من دوّن الدواوين، وأول من نظّم البريد، وأول من أرّخَ للأمة بالتاريخ الهجري.

والملائكة الأبرار قدوة في النظام :

أخبرنا الله تعالى في القرآن الكريم في أكثر من موضع أن النظام صفة أساسية من صفات الملائكة الأبرار في أعمالهم وعبادتهم ، فقال تعالى في صدر سورة الصافّات } وَالصَّافَّاتِ صَفًّا { فهذا قسمٌ من الله تعالى بالملائكة الذين يصفّون أنفسهم صفّاً لعبادة الله تعالى، وقال تعالى أيضاً على لسان الملائكة وهي تخبر عن عبادتها المنظمة لله تعالى} وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّون، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ {.

وقد حثّنا النبي صلى الله عليه وسلم على الإقتداء بهم في ذلك فقال:]ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربها؟ قالوا : يا رسول الله، وكيف تصفّ الملائكة عند ربها؟ قال:" يتمون الصفوف ويتراصّون في الصفّ[. رواه مسلم 1/  322 برقم:430

  

2- التفكر في نظام الكون:

وجّهي أبناءك إلى النظر والتأمل في النظام الدقيق الذي أبدع الله تعالى الكون وفطره عليه، والفتي أنظارهم إلى مواطن النظام في سير الكون من حولهم فتقولي: 

    انظر وتأمل يا بني: فالشمس تشرق كل يوم فيأتي معها النهار حيث العمل والمذاكرة والحركة والنشاط، ثم تغيب فيأتي الليل حيث يظهر القمر فتنام معظم المخلوقات وترتاح، ومن تقدير الله تعالى ونظامه المحكم في خلقه ألا يدخل النهار على الليل قبل انقضائه، بل هما يتعاقبان- يأتي أحدهما بعد الآخر- بحساب معلوم، ونظام لا يختل أبداً، وكذلك الشمس لا تطلع أبداً في الليل ولها ضياء ولا يطلع القمر بالنهار وله نور، قال تعالى:} والشَمَسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العًلِيم، وَالقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّي عَادَ كَالعُرْجُونِ القَدِيم، لَا الشَمْسُ يَنبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ القَمَرَ وَلا اللَيلُ سَابقُ النَّهَارِ وَكُلٌ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُون{ واختلال هذا النظام لا يكون-إن شاء الله تعالى- إلا عند انتهاء الدنيا وبداية الآخرة، وأن في ذلك إخبارا من الله لنا أن حياة البشر ما دامت قائمة ومستمرة فلابد أن تكون منظمة وأن اختلال النظام فيها يعني نهايتها.

النظام في المخلوقات:

تأمل يا بني في ممالك الطير والحيوان والحشرات، تدرك كيف تعيش حياتها بنظام بديع، مثلاً: مملكة النحل وهذا النظام الدقيق الذي تعيش به، فبالرغم من صغرها إلا أنها تعيش حياة منتظمة تصنع بيوتها من الشمع في أشكال سداسية متساوية الأضلاع في غاية من الدقة والإتقان وكأنها قرأت كتاب إقليدس، هل تدري لماذا؟ لأن المطلوب من الدُورِ هو الوثاقة والسعة، والشكل المسدس دون سائر الأشكال إذا انضمت بعض أشكاله إلى بعض صار شكلاً مستديراً كاستدارة الرحى ولا يبقي فيه فروج ولا خلل ويشد بعضه بعضاً، حتى يصير طبقاً واحداً محكماً، فعلمت النحل أنها تحتاج إلى أن تبني بيوتها من أشكال موصوفة بصفتين:

 إحداهما: ألا تكون زواياها ضيقة حتى لا يبقي الموضع الضيق معطلاً ولكي لا تتجمع فيه القاذورات.

الثانية: أن تكون تلك البيوت على أشكال إذا انضم بعضها إلى بعض لا يبقي منها أي مسحة ضائعة، والشكل الّذي تتوفر فيه هاتين الصفتين معاً هو الشكل المسدس، لا المثلث ولا المربع، فمن الّذي علمها وهداها أن تبني بيوتها على هذا الشكل المتقن بدون مسطرة أو آلة هندسية؟ إنه الله تعالى } الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى { 

وهذا النظام يحكم جميع جوانب حياة مملكة النحل، وإذا لم تتمكن من رؤية النحل وخليته، فإنك بالتأكيد قد رأيت النمل، أرأيت كيف يسير في نظام وخطوط مستقيمة؟ كل نملة تعرف دورها وتعمل بنظام طوال فصل الصيف من أجل جمع الغذاء وتخزينه لفصل الشتاء، وذلك بجهود متعاونة لمجموعة كبيرة من النمل. ألا يدلك ذلك يا بني على أن الله تعالى يريد أن يعلمنا أنه بالنظام والعمل الجاد فقط تستطيع مخلوقات الله أن تعيش؟ ولكي يكون لنا فيها أسوة حسنة في النظام وحسن التدبير؟

والآن يا صديقتي العزيزة...

 إذا نجحت في الخطوتين السابقتين، فإنك تكونين قد وضعت الأساس المتين لهذا الخلق الحضاري في نفوس أبنائك ، وذلك من خلال الربط الرائع بالعقيدة والتوحيد في أبواب : الإيمان بالله تعالى والملائكة ، وربطهم بشخص النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام كقدوة حسنة، ودرّبتهم على عبادة التأمل التي تورث إيماناً ويقيناً .                                                                                                                                                                                                                                          

ولكن لم تنته الخطوات بعد، بقي علي أن أوضح لكِ بعض الخطوات العملية لتدريب الأحباب الصغار على خلق النظام ليكون شعاراً لهم وديدناً بإذن الله تعالى، فانتظريني في الحلقة القادمة إن شاء الله.      

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- ام اسامة - مصر

24 - جماد أول - 1428 هـ| 10 - يونيو - 2007




بارك الله فى عقلك المتوهج

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...