أتعبت الأجيال من بعدك أيها المُربي! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

أتعبت الأجيال من بعدك أيها المُربي!

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
24 - شعبان - 1439 هـ| 10 - مايو - 2018


1

لم تكن ردة فعل عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ مستغربة عندما رأى من أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ عظيم صنعه مع المرأة العجوز، التي كان يزورها سراً بعد الفجر؛ لينظف لها بيتها ويعد لها طعامها؛ لعجزها وكبر سنها، وفقدانها لبصرها - احتساباً لما عند الله من ثواب ـ وعمر ـ رضي الله عنه ـ يراقب عمله؛ لينافسه الأجر. فلما رأى منه اجتهاده في العمل الصالح الخفي: قبل الظاهر عندها انطلقت عبارته الشهيرة: (أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر). قالها ويقصد بها: الانبهار بحسن صنيعه. في قالب مدح وإعجاب، يرمي إلى أن من بعدك أيها الصديق سيحذون حذوك، وسيكون ذلك مجهداً لهم، وشاقاً عليهم في منافستك، والزيادة على ما قمت به من طيب العمل، فماذا سيقدمون من بصمة إضافية بعد إنجازاتك العظيمة!

أما الآن في الوقت الحاضر: فإننا نجد بعض المربين هم جديرون بصدق بالعبارة التي قالها الفاروق ـ رضي الله عنه ـ : "أتعبت من بعدك" غير أن منطلقاتها مختلفة، فلقد أتعبت من بعدك أيها المربي إتعاباً مجهداً لهم، وللمجتمع بأسره، في قالب من اللوم والعتاب على الإهمال والإفساد التربوي الذي حصل منهم، والذي يظهر في صورتين مختلفتين إحداهما: بكونه قدوة لأمثاله ممن يحتذون حذوه من المربين، الذين لا يتقنون فن التربية، ولا يدرون أنهم مفسدون  بجهلهم الأساليب التربوية السليمة. فضلاً عن أنه قدوة لمن يربيهم من خلال تربية جيل على المنهج التربوي نفسه؛ ليكمل هذا الجيل بدوره مشواره على النهج التربوي نفسه. والأخرى بتركه بصمة تربوية سلبية في نفوس الناشئة، فضلاً على المخرجات السلوكية التي لا يتقبلها المجتمع؛ ليكونوا عبئاً عليه، بدلاً من دعمهم له؛ لكونهم ضحية منهاج تربوي، لا يمت للتربية بصلة، مما أنتج جيلاً بمعطيات هشة المحتوى، واهتمامات متدنية القيم؛ حتى بدا وكأنهم بنرجسيتهم وجرأتهم هم صناع الحياة والمستقبل، والحقيقة أنهم يعيشون على هامش الحياة، بما فقدوه من قيم ومعايير اجتماعية وتربوية، وما تشكل في أنفسهم من عقد نفسية؛ نتيجة أساليب بعيدة كل البعد عن النطاق التربوي. والحقيقة: أن الأساليب الخاطئة في التربية لها عواقب نفسية ممتدة لسنوات، وكذلك مخرجات سلوكية سلبية يلمسها الأهل قبل المجتمع. ومن أهم هذه الأساليب:

  • الحماية الزائدة: وتعني أن يكون الابن في ظل المربي، ولا يظهر بصورة ذاته المستقلة؛ فهو من يتكلم عنه ويدافع عنه، ويشتري له ما يناسبه ويقرر له الأصلح لحياته. بل هو المدبر لكل شؤونه صغيرة وكبيرة، وفي أي سن كان حتى لو وصل لسن المراهقة والنضج؛ لينتج فرداً هشاً في شخصيته وثقته بنفسه وإرادته ومبادراته. قرر له مربيه أبسط أمور حياته، فهل يستطيع شخص رُسمت له حياته دون اختياره: أن يكون قادراً على حمل المسؤولية، منتجاً نافعاً لنفسه ومجتمعه، وهو يسير وفق خطة خارطة مرسومة من المربي - والذي غالباً ما يكون أحد والديه - وعليه فقط أن يسير وفقها؛ حتى يكون بعيداً عن كل ما يؤذيه أو يُحمله مسؤولية؟
  • التدليل: هو أحد أهم الأساليب اللا تربوية الأكثر استخداماً، والتي يعتقد للأسف بعض الآباء أنهم عن طريقه يقدمون لطفلهم الكثير؛ فيعملون على إغراقه باحتياجات قد لا يحتاجها، أو يدرك احتياجه لها، سواء مادية أو معنوية، من مدح وإطراء لذاته لا لسلوكه، مع إعفائه من الكثير من المسؤوليات، ومنحه مساحة أكبر لذاته ومتعه، مما يجر عليه الأنانية، وافتقاره لكل ما من شأنه أن يكون له خبرة حياتية؛ لحرمانه من خوض التجارب، خوفاً عليه من الإخفاق. فكل ما يريده سيأتيه دون جهد؛ مما يجعله يتعامل مع مجتمعه، عندما يكبر الأسلوب نفسه؛ فيتعرض لصدمات اجتماعية ونفسية نتيجة رفض المجتمع لأسلوبه وسلوكه المتمحور حول ذاته، وحب السيطرة الطاغي في المصلحة، دون تقديم ما ينفع الآخرين. بل باعتقاده استحقاق كل ما يريد مما يجعله لا يعطي الأمور حقها، ولا يمنح مَن حوله حقهم في الاحترام والتقدير.
  • الشدة الزائدة: على النقيض تماماً من التدليل؛ نتيجة خوف الوالدين من إفساد طفلهما بالدلال، أو لجهلهم بالأساليب الصحيحة في التربية؛ مما يدفعهما للشدة على الأبناء، اعتقاداً منهما أن ذلك يبني فيهم قوة الشخصية والصبر، والقدرة على التعايش في المجتمع. بينما مع الأسف ما تجره هذه الشدة هو أيضاً شديد الخطورة على نفسية الطفل؛ لأنها تفقده الشعور بالأمان؛ مما يهتز صورته الذاتية، وثقته بنفسه وتجره في متاهات الخوف والقلق؛ فتجعله متذبذب الانفعالات، وقد يمارس الأسلوب التسلطي نفسه على من حوله، وبالتالي يقابل بالرفض ممن حوله. أو أن يستسلم لخوفه؛ نتيجة تعوده على القسوة والتسلط الوالدي، فيصبح تابعاً لمن هو أقوى منه، فينجذب لأصدقاء السوء.
  • الانشغال عن الأبناء والإهمال: من الطبيعي أن الأبناء بحاجة لوالديهم؛ لإشباع احتياجاتهم المختلفة في كافة مراحل حياتهم، بمختلف الاحتياجات العاطفية والمعنوية قبل المادية؛ وذلك حق من حقوقهم على والديهم. غير أن انشغال الوالدين عنهم وغيابهم الطويل والمستمر: يحرمهم من الكثير من الاحتياجات ويشعرهم بالحرمان، حتى مع إغراق الوالدين لهم بالاحتياجات المادية؛ لأن حاجاتهم النفسية والمعنوية أكبر من المادية. فالأبناء رغم حاجتهم لمساحة من الحرية، إلا أنهم أيضاً بحاجة لبعض القيود التربوية، التي تُشعرهم بصحة مسارهم. فضلاً على أنها تُوجههم بأسلوب لطيف، والتي تُقدم عادة من الوالدين، من خلال الاهتمام بهم وزمن خروجهم وعودتهم للبيت ونوعية أصدقائهم. وذلك كله يفتقده الأبناء بانشغال والديهم، ومع ذلك فإن الأسوأ من انشغال الوالدين هو: وجودهم مع إهمالهم للأبناء؛ مما يدفعهم للبحث عمن يهتم بهم، ويستمع إليهم، ويمنحهم الوقت الكافي لتفهم حقيقة ما يواجهونه من مشكلات، وطبيعة احتياجاتهم المختلفة. فضلاً على الاعتماد على مصدر يحتضن أسئلتهم التي يحاولون من خلالها فهم ما حولهم، ومن حولهم بطريقة صحيحة. وذلك كله حُرم منه الكثير من الأبناء؛ نظراً لانشغال والديهم، أو إهمالهم لهم، فأصبحوا أيتاماً رغم حياة والديهم، يفتقدون وجودهم وجوداً نفسياً يدعمهم، ومعنوياً يقوي وجودهم. وبحاجة للكثير من الاحتياجات رغم محاولة الوالدين إشباعهم مادياً، كبديل لغيابهم أو انشغالهم عنهم. لكن مع الأسف ذلك لا يغنيهم إن لم يكن أكبر عوامل إفسادهم وانحرافهم؛ نظراً لوجود المال وغياب المُوجه له، مع وجود الفراغ من القيم النفسية والتربوية والتي غابت بغياب الوالدين.
  • التمييز بين الأبناء: ويظهر التمييز بالحب والعطاء المادي والمعنوي. فالتربية عملية بناء لشخصية الأبناء، للوصول بهم للتكامل النفسي والعلمي والقيمي، وذلك من خلال عناصر التربية السليمة المتعددة الأركان. ومراعاة الفروق الفردية بين الأبناء، ومعاملتهم بكل العدل والمساواة؛ حتى مع وجود فوارق في الذكاء والشخصية وغيرها. وعلى النقيض نجد أن الأساليب المنحرفة، والتي على رأسها التمييز بين الأبناء، والميل لأحدهم دون الآخر، سواء في مشاعر الحب أو العطاء المادي أو المعنوي من كلمات التشجيع والثناء تساهم في الهدم لا البناء. وتساهم بشكل فعال في إيجاد شخصية مضطربة، ضعيفة الثقة بالنفس وبمن حولها، مع الشعور بالحرمان والجوع العاطفي، والذي قد يعزز دفعهم نحو الانحراف بشكل فعال. فضلاً على تخريجهم من بيت تعلموا فيه الحقد والغيرة؛ نتيجة ما عايشوه من تفرقة وظلم ممن هم أقرب المقربين منهم. فبالتأكيد أن ذلك سينمي في أنفسهم المشاعر والسلوكيات السلبية تجاه المجتمع بمن فيه.
  • لا شك أن التربية بأساليب خاطئة أو عشوائية: تُنشي جيلاً بعيداً عن تطلعات المجتمع والوالدين، وتضع المربي تحت دائرة الملامة، سواء لجهله أو سوء إدارته التربوية أو لإهماله. فأبناؤنا نعمة منحنا الله إياها. وأمانة نُحاسب عليها، سواء بإفراط أو تفريط، وهم بصمة لحياتنا؛ لذلك كله من المهم ألا يكونوا حقلاً لتجاربنا التربوية. أو أن ننتهج في تربيتهم منهجاً، نعتقد صحته دون أن نجهد أنفسنا بحثاً وتتبعاً لأثره عليهم. مع إدراكنا بأهمية الوصول للتوسط في التعامل والعطاء، فالبذور التي نبذرها هي ذاتها الثمار التي سنجنيها، فلنحسن البذر بأبنائنا، لنجني خير الثمر.

    روابط ذات صلة


    المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



    تعليقات
    فضلا شاركنا بتعليقك:
    • كود التحقيق *:
      لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

    هناك بيانات مطلوبة ...