أحلام وأوهام (1)

عالم الأسرة » رحالة
06 - جمادى الآخرة - 1437 هـ| 16 - مارس - 2016


1

لدى كثير من الشعوب ـ خاصة العراقيين - تقليدا ورثوه من أسلافهم. إذا ما حلِموا حلماً سيئاً يذهبون إلى المراحيض ويسردونه هُناك. يعتقدون أن قيامهم بذلك سيُبطله.

وقال الباحث الاجتماعي (واثق صادق): "إن المسألة برمتها تتعلق بالمعتقدات الشعبية لكل مجتمع. فهي ليست وليدة اللحظة بالتأكيد، ويتم توارثها من جيل إلى آخر. وعلى الرغم من أن انتشار هذه العادة في الوقت الحالي لا يشير إلى وجودها كظاهرة اجتماعية، فلا يمكن نفي وجودها".

ورصد هذا الخبر وإن كان على سبيل عادة من عادات الأمم، إلا أنه يفتح الباب لتناول ظاهرة «الأحلام والرؤى» من منظور إسلامي، حيث كان للشريعة الإسلامية الغراء نظرة متزنة ومنصفة وفريدة في هذا الأمر، دون الاسترسال مع الخرافات، أو إنكار لوجود الرؤى والأحلام، ولكنها نظرة وسطية، عالجت الموضوع بكثير من الإجراءات الراقية، والتي تثبت روعة هذه الشريعة واتساقها مع الفطرة وتناغمها مع الواقع.

  • الرؤيا تتعلق بالليل والنهار، فهي لا تختص بواحد منهما دون غيره، ولكن تتفاوت في الصدق والتأويل، قال البخاري: (باب رؤيا الليل)، وأتبعه بباب (رؤيا النهار) قال: عن ابن سيرين: "رؤيا النهار مثل رؤيا الليل".

قال الحافظ: "وقد يتفاوتان أيضاً في مراتب الصدق. ذكر نصر بن يعقوب الدينوري أن الرؤيا أول الليل يبطؤ تأويلها، ومن النصف الثاني يسرع بتفاوت أجزاء الليل، وأن أسرعها تأويلاً رؤيا السحر ولاسيما عند طلوع الفجر، وعن جعفر الصادق أسرعها تأويلاً رؤيا القيلولة".

وروى الترمذي وأحمد، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (أصدق الرؤيا بالأسحار){وضعفه بعض العلماء ومنهم الألباني}.

  • ما يراه النائم في نومه فهو ثلاثة أنواع، رحماني، وشيطاني، ونفساني:

- (الرؤيا): هي مشاهدة النائم أمراً محبوباً، وهي من الله تعالى، وقد يراد بها تبشير بخير، أو تحذير من شر، أو مساعدة وإرشاد، ويسن حمد الله تعالى عليها، وأن يحدث بها الأحبة دون غيرهم.

- (الحلُم): هو ما يراه النائم من مكروه، وهو من الشيطان، ويسن أن له التفل عن اليسار، والتعوذ من الشيطان، وتغيير الجنب، والصلاة إن شاء، وألا يحدث بها الناس.

- (حديث نفس) ويسمى أيضا (أضغاث أحلام)، وهو عبارة عن أحداث ومخاوف في الذاكرة والعقل الباطن، يعيد تكوينها مرة أخرى في أثناء النوم، ولا تأويل لهذه الأشياء.

روى ابن ماجه عن عوف بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ الرُّؤيا ثَلاثٌ :منها أَهَاوِيلُ من الشَّيطانِ لِيَحْزُنَ بها ابنَ آدم، ومنها مَا يَهُمُّ به الرَّجلُ في يقظتهِ فيراهُ في منامهِ، ومنها جُزءٌ من سِتَّةٍ وَأربعينَ جُزءًا من النُّبوَّة){وصححه ابن حجر والألباني}.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً، ورؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، والرؤيا ثلاثة فرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء نفسه) [رواه مسلم].

قال أهل العلم: أي أن رؤيا المؤمن تقع صادقة؛ لأنها أمثال يضربها الملك للرائي، وقد تكون خبراً عن شيء واقع، أو شيء سيقع فيقع مطابقاً للرؤيا، فتكون هذه الرؤيا كوحي النبوة في صدق مدلولها، وإن كانت تختلف عنها، ولهذا كانت جزءاً من ستة وأربعين جزءاً من النبوة .

ووصف الحلم بأنه (تحزين من الشيطان) أي أنه من إلقاء الشيطان وتخويفه ولعبه بالنائم لكي يحزنه ويكدِّر عليه حياته.

وفي الحديث أن الرؤيا عند اقتراب الزمان لا تكاد تخطيء، وذلك لبعد العهد بالنبوة وآثارها، فيكون للمؤمنين شيء من العوض بالرؤيا التي فيها بشارة لهم أو تصبير وتثبيت على الدّين.

  • الرؤيا الصادقة من صفات أولياء الله تعالى، فعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن قوله تعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [يونس:64] قال: (هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له) [رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني].

 

والرؤيا الصالحة حقٌّ، بيد أنها لا تزيد عن أن تكون مبشرةً، أو تكون منذرةً تُوقظ صاحبها من غفلته، وتهديه إلى التوبة، ويشبه هذا ما وقع لعبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنه رأى في المنام كأن ملكين أخذاه فذهبا به إلى النار. يقول -رضي الله عنه-: فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول أعوذ بالله من النار. قال: فلقينا ملك آخر، فقال لي: لم ترع. فقصصتها على حفصة. فقصتها حفصة على رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، فقال: (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل) فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلاً. [متفق عليه].

  • الرؤى الصادقة لا تختص بالمسلمين وحدهم، بل يمكن أن يرى غير المسلم رؤيا صادقة وتقع على ما رآه، ومن أوضح الأمثلة على ذلك رؤيا الملك الذي قصَّ الله تعالى علينا قصته مع يوسف عليه السلام حين رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، ورأى سبع سنبلات خضر وأخرى يابسات، وقد أولها له النبي يوسف عليه السلام، وكذلك رأى السجينان معه رؤى وعبرها لهم. وقد كانت رؤيا الملك – وهو غير مسلم – فيها نجاة لأهل مصر من القحط الذي جاءهم بعد تلك الرؤيا.
  • قال -صلى الله عليه وسلم-: (إن الرؤيا تقع على ما تعبر، ومثل ذلك رَجل رفع رِجله فهو ينتظر متى يضعها، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحا أو عالما) [رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني].

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت، ولا تقصها إلا على وادٍّ أو ذي رأي( [رواه أبو داود وصححه الألباني].

وقد ذكر صاحب النهاية في شرح الحديث: "أنها على رجل قدر جار، وقضاء ماض من خير أو شر، وهي لأول عابر يعبرها، أي أنها إذا احتملت تأويلين أو أكثر فعبرها من يعرف عبارتها، وقعت على ما أولها وانتفى عنها غيره من التأويل".

وقال ابن الجوزي في كشف المشكل من حديث الصحيحين :لم يرد بقوله: (فإذا عبرت وقعت) أن كل من عبرها وقعت، وإنما أراد بذلك العالم بها المصيب الموفق لا الجاهل، ولا أراد أن كل رؤيا تعبر لأن أكثرها أضغاث.

وفي حديث أبي رزين عند الترمذي: (ولا يقصها إلا على وادّ) بتشديد الدال اسم فاعل من الوُدّ (أو ذي رأي) وفي أخرى (ولا يحدِّث بها إلا لبيبا أو حبيبا) وفي أخرى (ولا يقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح) قال القاضي أبو بكر بن العربي: أما العالم فإنه يؤولها له على الخير مهما أمكنه، وأما الناصح فإنه يرشده إلى ما ينفعه ويعينه عليه، وأما اللبيب وهو العارف بتأويلها فإنه يعْلِمه بما يعوّل عليه في ذلك أو يسكت، وأما الحبيب فان عرف خيرا قاله، وإن جهل أو شك سكت.

وأما النهي عن الإخبار بها لغير ذي ود. فيمكن أن يكون دفعا لما قد يقع من الحسد، أو السعي في الكيد لصاحبها، والإفساد عليه إذا كان الذي يقصها عليه عدوا، وليس معناه أن كل من فسرها وهو لا يدري يقع ما فسرت به.

  • ذكر ابن حجر في الفتح أنه روى سعيد بن منصور بسند صحيح عن عطاء كان يقال: "الرؤيا على ما أولت".

وعند الدارمي بسند حسن، عن سليمان بن يسار عن عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم-، قالت: كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر يختلف، فكانت ترى رؤيا كلما غاب عنها زوجها، وقلما يغيب إلا تركها حاملا، فتأتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فتقول: إن زوجي خرج تاجرا فتركني حاملا، فرأيت فيما يرى النائم: أن سارية بيتي انكسرت، وأني ولدت غلاما أعور. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (خير، يرجع زوجك عليك إن شاء الله تعالى صالحا، وتلدين غلاما برا). فكانت تراها مرتين أو ثلاثا، كل ذلك تأتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيقول ذلك لها فيرجع زوجها، وتلد غلاما، فجاءت يوما كما كانت تأتيه، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- غائب، وقد رأت تلك الرؤيا، فقلت لها: عم تسألين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يا أمة الله؟ فقالت: رؤيا كنت أراها، فآتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأسأله عنها فيقول خيرا، فيكون كما قال. فقلت: فأخبريني ما هي. قالت: حتى يأتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأعرضها عليه كما كنت أعرض. فوالله ما تركتها حتى أخبرتني، فقلت: والله لئن صدقت رؤياك، ليموتن زوجك وتلدين غلاما فاجرا، فقعدت تبكي، وقالت ما لي حين عرضت عليك رؤياي؟ فدخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهي تبكي، فقال لها: (ما لها يا عائشة؟) فأخبرته الخبر وما تأولت لها. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مه يا عائشة، إذا عبرتم للمسلم الرؤيا، فاعبروها على الخير، فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها). فمات والله زوجها، ولا أراها إلا ولدت غلاما فاجرا.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...