أزمة حب! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

أزمة حب!

عالم الأسرة » همسات
27 - جماد أول - 1439 هـ| 13 - فبراير - 2018


1

تتنوع احتياجات الإنسان في مراحل حياته المختلفة، لتُشكل البنية النفسية له، بحسب ما وصفها العالم أبراهام ماسلو في التسلسل الهرمي للاحتياجات الإنسانية، والتي تنطلق من الاحتياجات الفسيولوجية الأساسية، من سكن ومأكل، وبإشباعها يتم الارتقاء في سلم الاحتياجات الأخرى، كالأمن بكل أنواعه، سواء النفسي والجسدي. ثم ترتقي إلى الحاجات الاجتماعية، والتي من أهمها: الصداقة، والحب، والمكانة الاجتماعية.

وعلى الرغم من أن الحاجات الاجتماعية هي في المرتبة الثالثة في التسلسل الهرمي للاحتياجات الإنسانية، إلا أننا في الوقت الحاضر أمام منعطف خطر، حوَّل الحب من احتياج من الدرجة الثالثة، إلى أزمة تشغل العقول، فأصبح يتعاطاها الكثيرون على أساس أنها في طليعة الاحتياجات البشرية، وفيها سر حياته وبدونها يفقد الانسان ذاته، و يخسر حياته، ابتداءً من الأطفال وانتهاءً بالراشدين. وهذه الأزمة تشغل على الأخص بالَ جلِّ المراهقين، وكأن حياتهم أشبه برحلة هدفها: أين يجد الحب؟ لينطلق باحثاً في كل الاتجاه عن علاقات مشبوهة، يُلبسها زيفاً: ثوب الحب، وهو على يقين تام بأنها أبعد ما تكون عن الحب الحقيقي النزيه، ولكنه يُكمل مشواره في البحث، متجاهلاً كل شيء ليبحث عن سراب لا ولن يناله، ومع ذلك لا يتوقف عند هذا الحد، بل يمتد لدرجة أعمق، ليجمع المحبون مشاعرهم الفياضة الزائفة مع الأزهار والهدايا، في يوم سموه عيد الحب، لتجديد عهد المحبة بينهم!

والحب رغم أنه فطرة إنسانية، ولون من أهم الانفعالات الإنسانية إلا أنه بحاجة للتهذيب ليكون في موضعه الصحيح، فهو لغة سامية، يناجي بها المؤمن ربه وتخاطب الأم بها وليدها، وهو عاطفة نفسية وبهجة لحياتنا على امتداد أنواعه من الحب الأسمى كحب الله ـ عز وجل - إلى الحب الأدنى وهو حب الدنيا. إلا أنه لم ولن يصل بأي حال من الأحوال لمستوى الاحتياجات الفسيولوجية الأساسية، التي لا غنى للإنسان عنها. غير أن تلوث بعض منابعه: أثر على مكانته في النفوس، فمثلاً تتصدر وسائل الإعلام مسلسلات العواطف الجياشة، وتصور الحب بالرومانسية، وبأنه أكسير الحياة التي لا يمكن العيش بدونه! فلأجل إشباع عواطفنا نحيا، ولا سيبل للحياة من دونها حتى انطبعت صورة ذهنية لدى المراهقين خاصة عن الحب الرومانسي، ولم يعد مستغرباً شكوى الأبناء من الأمهات أو الآباء، لتتردد على مسامعنا عبارة أمي لا تحبني! أو أبي لا يحبني! لانشغالهما أو لمرورهما بضغوط تثير انفعالاتهما، وتُغير من سلوكياتهما نحو الأبناء. وأيضاً فإن انحراف مفهوم الحب وتشوهه في البنية المعرفية لهم، يؤدي إلى إسقاط المراهق تحت هذا العنوان: انحرافه العاطفي وكل اخفاق أو انحراف له، فهو لم يجد من يحبه ولا يرعى شؤونه، فيتقوقع على نفسه معلقاً كل مشكلاته على أزمة الحب المزعومة التي يعاني منها.

لا شك أن الآباء مطالبون بإظهار الحب لأبنائهم، وكذلك لا شك أن الأبناء في حاجة إليها غير أن المشكلة تكمن في كون هذه المشاعر شغلهم الشاغل، ومحور حياتهم، وسبب كل آلامهم مع تهميش أي تعبير غير لفظي عن هذه العاطفة، وحصرها في مفاهيم خاصة يدركها المراهق لإسقاط المشكلات تحت مسمى الحب؛ لإيجاد حبكة جديدة لمشكلاته اليسيرة لتكون أكثر تعقيداً.

وتمتد أزمة الحب لنجدها في صورة جديدة، حيث تتصدر الصدمات العاطفية قائمة المشكلات النفسية، إثر اخفاق العلاقات العاطفية بين المراهقين في علاقتهم مع أصدقائهم، أو حتى علاقتهم العاطفية عبر مواقع التواصل خاصة. وتنتشر لتصل لعش الزوجية، فتكثر الأسئلة من قبل أحد الزوجين هل زوجي يحبني؟ والأسوأ من ذلك أن يبرر كلاهما نشأة البيت أو هدمه بناء على الحب دون اعتبار للأسرة والعشرة والأطفال!

لا يمكننا أن نُنكر مكانة الحب وأهميته في حياتنا، لكن ضمن إطار الواقعية والفهم الصحيح له، فهو عاطفة ممتدة لعطاء. لا كلمات تُدغدغ المشاعر، وتستخف بالقلوب والعقول. فبعطاء الوالدين ورعايتهما حب. حتى وإن غفلا عن الإعلان عنه بالصوت والقلم. وكذلك في عشرة الزوجين مودة ورحمة، أقوى من أي حب زائف، يبدأ وينتهي في بضعة أيام أو شهور، وأصدق الواقعية ما قاله الخليفة عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ لرجل يسأله في أنه يريد أن يطلق زوجته، فقال له عمر: لا تفعل.

فقال الرجل: ولكني لا أحبها.

فقال عمر: ويحك ألم تُبن البيوت إلا على الحب؟ فأين الرعاية وأين التذمم؟

فوجه الفاروق ـ رضي الله عنه ـ الرجل الى أمرين مهمين، تقوم عليهما البيوت غير الحب، أولهما: الإحسان والقيام بالحقوق والواجبات لكلا الزوجين، والأمر الثاني حماية البيت من التمزق والأبناء من الفرقة والشقاء.

فنحن نشهد من حولنا أزمات متتالية من المشاعر الزائفة، تتجسد في أزمة البحث عن الحب. وأخرى في فقدان هذا الحب، وثالثة في كيفية المحافظة عليه، مما يُظهر أن واقعنا يشهد أزمة حب حقيقية تسيطر على حياة وعقول الكثيرين. والحقيقة أن حاجتهم المفقودة ليست الحب، فالحب موجود في كل ممن حولنا. غير أنهم بحاجة لتفهم لغات الحب الصادقة، في كل ممن حولنا، لنطرب أنفسنا بوجوده، فبعطاء الأب حب، وبصوت الأم الدافئ حب. وابتسامة الطفل حب. واهتمام الزوج حب. حب نقي خالص عذب، يغنينا عن حب خبيث مزيف، يُعزف عبر مواقع التواصل. ويبقى الحب في العالم الافتراضي وهمي، كوهمية العالم الافتراضي ذاته. ولا يمكن نقله على أرض الواقع ليتجسد علاقة جادة شرعية، تجمعها في بيت دافئ، يغلفه الثقة بين زوجين لكل منهما تاريخ عاطفي أنتج هذا البيت الهش، فأي نظرة ثقة أو التزام عاطفي، ينظر بها أحدهما للآخر، بعدما كانا نتيجة علاقة عاطفية!

لذا فنحن بحاجة لوقفة جادة مع أنفسنا ومعتقداتنا، ومعتقدات أبنائنا لتصحيحها. فالحب عاطفة نحتاجها باعتدال، لنسخرها لتمنحنا السلام الداخلي والطاقة الإيجابية، دون أن تكون هي المسيطر علينا، فبالروحانية نحيا، وبالعقل نعيش، وبالحب نتجمل، ونُجمل حياتنا. فهو زينة لحياتنا، ولا يصح بأن نجعل من الحب أداة تبني البيوت وتهدم. أو أن تفرق وتجمع وتشفي وتمرض. وتشقي وتسعد. وتسرق أفكارنا وإلهامنا أو تهبنا إياها. وما ذلك من الواقع في شيء. غير أن الواقع كله هو في التعلق بالله ـ تعالى ـ أولاً وأخيراً، فهو مصدر قوتنا التي لا تزول. فمهما تعلقنا وأقمنا علاقات صداقة مع من حولنا، فما هم إلا بشر تتبدل أحوالهم ومشاعرهم. لذلك علينا أن نقف دقيقة صمت لنتساءل: هل تغير شكل الحب في عصرنا الحاضر أم أسلوبه؟ أم سبل الوصول إليه؟ أم تغيرت القلوب التي تحمله؟ أم هي مجرد أزمة حب؟

 

 

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...