أزمة منتصف العمر: نضج أم مراهقة؟

عالم الأسرة » همسات
04 - رجب - 1438 هـ| 01 - ابريل - 2017


1

منتصف العمر عبارة ترمز للمرحلة التي تتوسط بين عمر الشباب والتقدم في العمر. وهي مرحلة بلوغ الأربعين، أو قُبيل ذلك بقليل. فهي محطة من الممكن أن يمر بها كلٌ من الرجل والمرأة على حد سواء. غير أنها ليست مرحلة حتمية في حياة الانسان، إذ إن حياة الإنسان أشبه ما تكون بمحطات متتابعة. تُشير كل محطة إلى مجموعة من الصفات النفسية والجسمية. ويلزم الانتقال من محطة لأخرى، والارتقاء والتطور في مستوى النضج والنمو.

غير أن محطة منتصف العمر قد تكون مختلفة بعض الشيء؛ إذ إن النمو نحو النضج النفسي قد يشوبه بعض النكوص للخلف، بدلاً من التقدم للأمام، وهذا ما نسميه بأزمة منتصف العمر. فهي أزمة نفسية سلوكية اجتماعية تعصف بكثير من الأزواج؛ وذلك بتأثير بعض الظروف البيئية والشخصية التي تساعد على ظهورها؛ كالانشغال الدائم في مرحلة الشباب، والحرمان من المتع المباحة، مع ضياع الهوية في فترة المراهقة، والمعاناة من الحرمان العاطفي. فضلاً عن الشعور بضياع العمر، دون تحقيق أهداف مثمرة.  بالإضافة إلى وجود المشكلات الزوجية المتكررة والتي تُحدث شرخاً في العلاقة الزوجية، ونضوباً في العاطفة بين الزوجين، والكثير من الملل والرتابة في حياتهما.

وعندها تبدأ رحلة البحث عن التغيير لإنعاش ما تبقى من الشباب. فينطلق الزوج نحو تغيير حياته ونفسه، في محاولة لإعلان القوة والرجولة، وأنه مازال يحتل قلب الكثيرات؛ لأنه مازال شاباً لا يعيبه غزو اللون الأبيض لشعره. خاصة مع دعم المجتمع لذكوريته، بأن أربعينيته هي نضجه وشبابه. بينما هي هرم وذبول زوجته. لذا فهو يستحق أن يعيش شبابه من جديد بكل تفاصيله مع زوجة صغيرة تجدد حياته. مما يتطلب ذلك تغيير المظهر؛ ليواكب التطلعات الجديدة؛ فتبدأ المنافسة بينه وبين مراهقة ولده في اللباس والسلوك والمظهر.

ولا تقف أعراض هذه الأزمة على الرجل ـ وإن كانت هي الأشد في الغالب ـ وإنما تظهر على المرأة أيضاً بعض الأعراض، في محاولة لكسر روتين حياتها، والبحث عن نفسها من جديد، بين ركام المهمات الحياتية التي غرقت بها. فالمرأة بحكم فطرة الأمومة تُكرس أولوياتها للأبناء. فيكثر الانشغال بهم وبمشكلاتهم، وقد يصل إلى درجة الإغراق بالنفس في متطلباتهم؛ مما يشغلها عن نفسها لفترة طويلة. وعندما تصل لمنتصف العمر، غالباً ما تبدو وكأنها استيقظت من غفلة طويلة عن ذاتها. فتتساءل من أنا الآن؟ وكيف مر العمر سريعاً؟ وكيف كنت؟ وماذا حققت؟

 

ففي هذه المرحلة من العمر: يتم فيها مراجعة الذات؛ للوقوف على إنجازات وإخفاقات الحياة السابقة في كفتي ميزان، في محاولة لمعرفة الذات عن كثب، بعد الانشغال عنها في سنوات العطاء. فتنظر المرأة لما حققته من أهداف وإنجازات. إن رضيت عنه، فقد اطمأنت وزادت السعي لذاتها.

 وإن لم ترضى عن مسيرتها السابقة، أدخلت نفسها في دائرة الحزن واللوم والتحسر. فتصبح متقلبة المزاج، سريعة الملل والعصبية، تبحث عن أي شيء يشعرها بالأهمية؛ حتى لو كان في لفت أنظار من حولها، بملابس لا تتناسب مع مرحلتها العمرية. وتبدأ بتغيير مظهرها بطريقة تلفت النظر إليها، فترتدي ما تجاهلته سابقاً في صباها، لتبدو أكثر شباباً وجاذبية.

أما الرجل: فتدركه أيضا بعض التساؤلات كالمرأة، لكنه يتعامل مع هذه التساؤلات بشكل مختلف، فتمثل له هذه المرحلة مرحلة تحدي وإثبات لذاته ولمن حوله، أنه مازال شاباً ومرغوباً، فيتخذ في سبيل ذلك سبلاً متعددة، في محاولة لأن يجيز لنفسه انصرافه عن البيت، والبحث عن عش آخر. فيعمد إلى إسقاط كل الملامة على الزوجة؛ في محاولة لتبرير هروبه لحياته الجديدة. دون أن يجتهد كثيراً في محاولات البحث عن الأسباب أو الأعذار، ويمكن تفسير ذلك لشعوره بقدرته على التغيير في حياته أكثر من المرأة.

فيبدأ يتصيد كل ما في البيت من هفوات، وينتقد سلوكيات الزوجة والأبناء، فينقل حياته الزوجية من حياة تكامل بينهما، إلى تحد وتنافس، لإثبات من الأفضل. فهو يعيش حالة من الضياع والبحث عن الذات، والتي يحاول إيجادها بإثبات قدرته وقوته مع شريكة جديدة. خاصة عندما يلمح نضج أبنائه، فكأنه يرفض في نفسه فكرة أنه قد كبر!. ويبدأ يبحث عن كل متعة فاتته من قبل عندما انشغل في عراك الحياة وتركها. فهو الآن أقل انشغالاً، وأكثر استقراراً، ويقف أمام تحد يحاول أن يكسبه. ومن هنا قد ينطلق وكأنه يعيش مراهقة جديدة، توازي وأحيانا تتفوق على مراهقة ولده.

والسؤال المهم هو كيف يمكن علاج هذه المشكلة؟

لا شك أن العلاج مهم، لكن الأهم كيف يمكن أن يقي كلا الزوجين حياتهما من هذه الوعكة الحياتية والنفسية، التي غالباً ما تكون نقطة تحول في حياتهما بشكل سلبي؟

إن الحديث عن الوقاية، حديث يمتد من جذور تكوين الشخصية في كلا الزوجين في مرحلة المراهقة الأولى بالبناء النفسي المشبع بالعاطفة الأسرية، والموجه بشكل سليم نحو بناء أهداف متتابعة، تتوافق مع كل مرحلة عمرية، ونضج نفسي وجسدي، وهذه الأهداف تتماشى مع الترفيه المباح؛ ليكون الإنجاز ملموساً ومشبعاً ومستمراً. مع سؤال الزوجين نفسهما في شبابهما قبل حلول منتصف العمر:

ماذا نريد أن نكون في منتصف العمر؟

بمعنى ما الأهداف التي نطمح لتحقيقها، لتشعرنا بالاستقرار النفسي في منتصف العمر؟

ولا يقل جانب الاستقرار الزواجي أهمية، في تحقيق الإشباع النفسي الوقائي، إن لم يكن الأهم كونه جانباً وقائياً وعلاجياً، لما فيه من احتواء للجانب النفسي والعاطفي للزوجين، والذي بدورة يقلل من الطلاق العاطفي لهما، ويبث النبض في شريان الحياة الزوجية المتجمدة.

 فقد تكون تلك المراهقة نزوة عابرة، كسحابة صيف، إذا ما بدأ التعامل معها بشكل صحيح، خاصة من الزوجة؛ وذلك بالاحتواء، ومنح الاهتمام للزوج؛ باعتباره نجم حياتها ومحورها. مع إشباع حاجاته للتقدير. كما أن إشعار كلا الزوجين الزوج الآخر بالأهمية له، وأنه كالسابق ومازال هو ذا مكانة لم يفقدها مع تقدم العمر. بل زادته في القدر والعقل الاستقرار.

 وقد تكون هذه الأزمة طريقاً حقيقياً لحياة جديدة، وبيت جديد إذا انعدم الحوار والتفاهم بينهما ووصلا لمفترق الطرق.

 فوعي كلا الزوجين واستبصارهما لمرحلة منتصف العمر مع إحياء العاطفة بينهما، وتقبل ما يعانيه الزوج الآخر، باحتواء واهتمام وإحاطته بعناية، يعطي الإشباع العاطفي، والاهتمام الذي يذيب الحواجز بينهما، ويحول مرحلة منتصف العمر من أزمة، إلى مرحلة نضج وبداية حياة جديدة بينهما.

فبداخل كل منا طفل صغير، يحب الحنان، ويعشق الاهتمام مهما تقدم به العمر.

وبداخلنا أيضاً مراهق، يعشق الحرية، والهروب من المسؤولية لبعض الوقت.

 وأزمة منتصف العمر ماهي إلا مراهقة ثانية، بحاجة للاحتواء النفسي والعاطفي. إذ إنها تنطلق عندما يشعر المراهق بحرمانه من احتياجاته العاطفية فيها، فتنطلق تلك المراهقة من جديد في منتصف العمر، لتعبر عن زمة منتصف العمر.

فمتى أشبعنا حاجة طفولة ذواتنا. وانطلاقة المراهق بداخلنا، فإن منتصف العمر يصبح نضجاً لا أزمة، ونسير نحو تقدم العمر بسلام . 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...