أزمة مُخرج

أدب وفن » دوحة السرد
06 - ذو الحجة - 1425 هـ| 17 - يناير - 2005


حاول "فاروق منير" أن يخرجني من حالة الصمت التي أعيشها منذ عامين، هو مدير إدارة النصوص بالمسرح القومي. كنا زملاء في المرحلة الثانوية، وذبحنا سكين الهزيمة، فبدأ بكتابة الأشعار المتمردة، الرافضة للهزيمة، وأذكر أن إحدى الصحف رفضت نشر قصيدة مبكرة له كتبها عام 1968م، وهو في الثامنة عشرة، ومازلتُ أذكر وجهه المملوء فرحا وهو يقول لي مطلع قصيدته التي رفضتْها الرقابة:

كيف تكون الكلمة سيفاً

يهوي بالأعماق

كيف تكون الكلمة سهماً

وأنا أوقفُه قائلاً:

أريد أن أصير مخرجاً وأقدم لك مسرحية من إخراجي!

...

وهاهو الزمن قد مرَّ..

صرتُ مخرجاً شهيراً أقدَّم متطلبات السوق في المسرح التجاري، ومسرح الدولة.. أنا الذي أنفقت عليَّ الدولة أموالاً طائلة لأتعلم حرفة الإخراج في موسكو على يديْ أشهر المخرجين.

صرتُ ـ أنا سامي الإمام ـ مخرجاً حرفيا، أقدم مسرحياتي بلغة مسرحية عالية الإبهار.

قال لي "فاروق منير" إنه يريد أن يراني، بعد أن صار شاعراً مشهوراً، وقدّم له المسرح القومي ثلاث مسرحيات شعرية، وصار له عمود يومي في أكبر الصحف انتشاراً.

هاتفني أمس وسألني لماذا أنت متوقف عن الإخراج، فأخبرته أنني أُعاني من أزمة.. نفسية؟.. لا.. أزمة موقف؟.. ربما!.. إنني أراجع قناعاتي السياسية والمبدئية وما أقدمه من مسرحيات تُدغدغ العواطف.. قال إنه سيقدم لي نصا لأخرجه في مسرح الدولة.

زارني في بيتي في الثالثة بعد الظهر.

أعطاني نصه، وقال إنه عن صراع الطبقات، من خلال تقديم المتصوفة "رابعة العدوية"؟

فقلتُ مستغرباً:

ـ هل يُمكن أن تُمثِّل رابعة العدوية صراع الطبقات؟.. وكيف يُمكن أن نجد هذا في النص؟

قال ضاحكاً:

ـ إنها تنتقد القطط السمان، والوجهاء الذين يدَّعون التديِّن، ويمسكون السبح في أيديهم، لتزداد مكتسباتهم، وتروج تجارتهم، وتتضاعف استثماراتهم.

قلتُ حائراً:

ـ إذن كيف سأقوم بإخراج مسرحية تحملُ مثل هذه الكلمات على مسرح الدولة؟

قال:

ـ نحن الذين نختار نصوص مسرح الدولة، ثم لا تنس أن مسرح الدولة ـ في ظل هامش الحرية المُتاح ولطبيعة المسرح ورمزيته ـ أكثر جرأة من المسرح التجاري، الآن.

قلت:

ـ الموضوع ـ موضوع تقديم شخصية متصوفة ـ ليس من الموضوعات المثيرة، ليتك ناقشت في نصك قضية الحرية، أو انفراد أمريكا بحكم العالم منذ زوال الاتحاد السوفيتي، أو العولمة، أو صراع الحضارات.. أو غيرها من الموضوعات من خلال مسرحيات تشتبك مع الواقع لا من خلال أقنعة!

ـ هل تنسى أن صلاح عبد الصبور قدم صورة للصراع بين السلطة والمثقفين من خلال شخصية متصوفة، في منتصف الستينيات من القرن الماضي هي شخصية "الحلاج"؟!

قلتُ ضاحكاً:

ـ ألا تعرف؟.. الزمانُ اختلف!

قال في بلاهة:

ـ أجل!.. ماذا تقول؟

قلبتُ في الأوراق التي بين يديَّ، وتوقفتُ كمن لسعه عقرب:

ـ قل لي يا فاروق.. ماذا تعني بقولك: صوفية.. نورانية؟

قال ضاحكاً:

ـ إنك متوقف منذ عامين عن الإخراج (وحرص على أن يُداعبني) يبدو أنك أصبحتَ لا تقرأُ أيها المخرج القدير!، وأصبحت لا تفهم شيئاً في غير الفن الذي تعرفه.. المسرح.. هذه من مصطلحات الصوفية، وأنا قلت لك أمس أن نصي عن صراع الطبقات وفيه صراع بين درويش فقير يحبُّ رابعة وثري غبي، لا ينحازُ للفقراء، بل يستعديهم بمسلكه الاستفزازي!!.

قلتُ:

ـ أنا أرفضُ التصوفُ كما رفضتُ الماركسية!.

قال لي:

ـ أنت مخرج، تقدم نصا.. ما علاقة قناعاتك وفكرك بما تُخرجُه؟

قلتُ وقد ضقتُ به ذرعاً:

ـ أنا لست "بوتيكاً"، أو صاحب معرض للأفكار على خشبة المسرح.

هزَّ رأسه مستفسراً، وعيناه تستوضحان ما أقول، فقلتُ بصوتٍ هادئٍ أجتهد أن تكون نبرتُهُ واضحة:

ـ لستُ يا صاحبي محلَّ بقالة.. إنما أنا مخرج له فكره.

صمتنا، وأعدت تقليب الأوراق:

ـ أنت تقول في بداية المشهد الخامس، على لسان الثري:

نحن وضعنا للعامة والغوغاء الترياق

في قالب دين يعتنقونه

في بضعة أبطالٍ مهووسين

يعتقدون بمنزلةٍ ساميةٍ لهمو

هلْ كان الثري أيام رابعة من الشيوعيين؟

لم يُجب، فأضفتُ في نبرات حادة:

ـ لا يُمكن أن يُقدِّم سامي الإمام هذا القول في مسرحية تحملُ اسمه!

ـ هذا ليس كلامك، إنه كلام البطل.. لماذا تتكلم كلاماً غريباً يظن من يسمعه أن من يقوله لا يمكن أن يكون سامي الإمام المتخرج من أهم أكاديميات الاتحاد السوفيتي السابق؟

وأضاف ضاحكاً:

ـ هل تخاف سطوة الأصوليين من أصحاب السلاسل والجنازير؟

قلتُ في حسم:

ـ فلتعذرني يا فاروق. إنني لا أستطيع أن أخرج مثل هذا النص، فمازالت فيّ بقيّة من تلك الأرضِ الطينيةِ، من القرية التي مازال أبي يخطو فوقَ ثراها، ويصومُ رمضان والستة البيض.. ويُصلي في أعماق الليل، ويصلي الفجر جماعةً، ويحج، ويعتمر.

قام وهو يصرخ ويقذفُ كلماته كالرصاص الطائش في كل جانب:

ـ هلْ يجرفُك سيلُ الجبن الذي يعتري حياتنا؟.. هل تخافُ سطوة الأصوليين؟.. ما هذا الذي أسمع؟.. هل المخرجُ التقدميُّ الكبير هو الذي يقول مثل هذا الكلام؟

.. ألقى كل ما بنفسه من شوائب وصمت، فشددتُه وأجلستُه، وأضفتُ:

مازال أبي.. والد سامي الإمام يؤمنُ بالله.. ومازالت أمي مؤمنة بالله ورسوله! اعذرني يا فاروق، فقد زلّت بالقدم النعلُ ذات مرة! فلماذا ترفُضُ أنت أن أخرج من الحفرة؟

قال وهو يرسم ابتسامة صفراء على شفتيه:

ـ تهمني هذه المسرحية، وكنتُ أتمنّى أن تخرجها.

قلتُ ضاحكاً:

ـ إنك تهمك الكتابة والشهرة فقط. وإني تصطرعُ الأفكارُ برأسي كالطوفان!

قال:

ـ ماذا تقول؟!

حدّقتُ في عينيه قائلاً:

ـ .. لا أستطيع أن أخرج هذا النص، حتى لو جلستُ عاميْن آخرين بدون عمل!

 

 

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...