أسر شهداء غزة .. الوجع يعصر القلوب

عالم الأسرة » رحالة
29 - ذو القعدة - 1435 هـ| 24 - سبتمبر - 2014


1

ءخلف عدوان "الجرف الصامد " الذي اندلع في السابع من يوليو 2014م الماضي  أكثر من 2061 شهيدا فلسطينيا، هذه الأرقام لا تحمل أي معني من الوجع الذي تركه رحيل كل شهيد في حياة أهله وصحبه، لقد  تركوا ورائهم الكثير من الألم والفجعة. والآن وبعد أن وضعت الحرب أوزارها يلملم هؤلاء جراحهم، عادوا لمسكنهم إن لم تكن قد هدمت، عادوا لذكرياتهم في المكان، يسمعون أصوات الراحلين وآمالهم، ويتخيلون ذهابهم وإيابهم.

 

واحدة من تلك العائلات، كانت عائلة أم أحمد النجار، التي صبرها ابنيها على استشهاد أبيها، ثم استشهدا بعد ساعات من استشهاد جدهما. عادت أم أحمد الآن إلى خزاعة، تلك البلدة الواقعة شرق خانيونس من أكثر المناطق الفلسطينية تعرضا لجرائم الاحتلال الإسرائيلي خلال عدوانه.

 

تعود حكاية استشهاد أبناء أم محمد  إلى فجر يوم السابع والعشرين من رمضان، فبعد سحور هذا اليوم مباشرة ضربت آلة الحرب الإسرائيلية بيت أبي حسين النجار بمن فيه، من أهل البيت والنازحين إليه، كل ما شعرت به أم أحمد أن شيئا سحب الأشياء من حولها، ثم تناثر الغبار والركام و حجبتها الأصوات عن كل شيء، تقول أم أحمد: "خرجنا نصرخ في الشارع، رأيت أطفالا صغارا تمددوا على الطرقات، وبعضهم يحمله الناس غارقًا بدمائه، أخذت أنادي على أبنائي ولم يرد أحد". في هذه الأثناء رد أحمد بصوت ضعيف "هيني يا أبا"، أما روان فلم ترد مطلقًا، وكيف لها ذلك، وهي على عمق 10 أمتار تحت الأرض، حيث تم انتشالها وعمتها غالية كآخر الشهداء من تحت الركام.

أقل ما يقال عن مصاب آل النجار ذلك: "مجزرة"، نالت من نسائهم وأطفالهم الأربعة، فقد استشهدت العمة وزوجها وأبنائها، واستشهد العم وزوجته وابنه، تقول أم أحمد: "لم أتخيل أن الغدر الإسرائيلي سيصل لهذا الحد فينا، كان المكان مكتظا بالناس، ووزعنا أنفسنا على أكثر من بيت من كثرة النازحين".

 في عصر يوم الجمعة أعدمت قوات الاحتلال الجد محمد توفيق قديح، فبكت وحزنت كثيرًا أم أحمد على رحيل أبيها، صبرها حينها ابنيها روان وأحمد، وقالا لها بالحرف: "شهيد يا أمي .. ليش تبكي على شهيد؟.. يا نياله سيدي"، لم تكن تعلم أن من صبرها على رحيل والدها سيلحقا به بعد عدة ساعات في مجزرة بشعة!!.

 

ملاك الرحمة

في الرابع من أغسطس استهدفت قوات الاحتلال منزل عائلة "ضهير" الواقع شرق مدينة رفح، كان هذا البيت كغيره من البيوت الفلسطينية يأوي الكثير من الأقارب الذين تركوا منزلهم القريبة من الحدود مع العدو الإسرائيلي،  عندما ضربت قوات الاحتلال المنزل بعدة قذائف، استشهدت على الفور الابنة الممرضة كرم  -24 عامًا- بينما أصيب الغالبية ممن كانوا في البيت بجروح بين خطيرة ومتوسطة.

 أم سليمان ضهير -60 عامًا- صاحبة المنزل، مازالت تعالج من حروق القذائف، بينما يرقد العديد من أبناء أسرتها في المستشفي، تروي لنا الحكاية فتقول: "كنا جلوسا، كل في مكانه، سقطت القذائف علينا فأحدثت دوامة كبيرة"، وتضيف السيدة: "أخذت بذكر الله، وأنا لا أفهم شيئا عما يدور حولي، وبدأت أتفقد نفسي، فمسكت شعري فإذا به كتلة محترقة بيدي، ثم بدأت أصرخ على أبنائي دون أن أسمع أي صوت منهم".

نقل الجرحى على المستشفيات، لكن كرم استشهدت على الفور، كرم كانت في بيت أهلها تستعد في اليوم التالي لاستئناف عملها في المستشفي "الأوربي"، وقد أدت عملها طيلة هذه الحرب على أكمل وجه، ونوت أن تقصد العمل حتى بعد لجوئها لبيت أمها.

ما زالت كرم عروسا، فقد تزوجت قبل خمسة شهور فقط، تقول الأم عن عروسها الشهيدة: "كل الكلمات لا تصف أخلاق كرم، معاملة حسنة، أخلاق رائعة، محبوبة ومعطاءة لدرجة كبيرة، كانت فعلا ملاك رحمة". وتصمت الأم قليلا، ثم تتابع القول بحرقة :"حسبنا الله ونعم الوكيل .. حسبنا الله ونعم الوكيل".

        أم الشهيدين

مع بداية الحرب البرية، قررت عائلة المغربي ترك بيتها الواقع "الزنة" شرق خانيونس، فذهبت إلى بيت الخال علها تجد الأمان من همجية الاحتلال، كانت الأوضاع غاية في الصعوبة، ففي يوم الثالث والعشرين من رمضان، وبينما كان ابنيها جهاد ومحمد قد عادا لتوهم من جنازة أحد الشهداء، سمعا أخبارا تفيد أن شهداءً آخرين سقطوا في حيهم، ذهب الشابان إلى حيهم واستبسلا في إنقاذ الجرحى وانتشال الشهداء، وبعد عدة ساعات فقط لحقا هما بركب الشهداء.

استشهد محمد – 23 عامًا - وجهاد – 22 عامًا-  ، كان مصاب آل المغربي في ذاك اليوم كبيرا، فقد استشهد أيضا أبناء العم، أحدهما في اليوم نفسه، وهو الشهيد عبد الحميد المغربي، ثم لحق به شقيقه عبد الرحمن بعد بفترة، ناهيك عن أن القصف طال معظم بيوت العائلة وممتلكاتها، تقول أم الشهيدين وتكنى بـ أم فادي: "حسبنا الله ونعم الوكيل، ابني الكبير ترك زوجته حاملا ولديه ابنه، وابني جهاد كان قد عقد زواجه، وكنا ننوي تزوجيه  بعد عيد الأضحى".

 

        وضع صعب

تستعد المؤسسات المعنية بأسر الشهداء لإجراء الدراسات الميدانية، وإحصاءات عن أوضاعهم بعد انتهاء الحرب، يقول مسؤول مؤسسة رعاية أسـر الشهداء والجرحى في قطاع غزة، محمد النحال: إن الدراسات الميدانية لأسر الشهداء تقتضي الوقوف على أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والنفسية. ويضيف في حديثه لـ"لها أون لاين": "هذا العدوان طال كل فئات الشعب الفلسطيني ، وخلف أكثر من  1500 يتيم جديد". ويشير إلى أن المؤسسات المعنية بشؤون الأيتام وأسر الشهداء تعاني كثيرا من الحصار الذي يقيد قدرتها على خدمة هؤلاء.

ويتابع القول: "نأمل كي نستطيع أن نفي بالتزاماتنا، أن يكون العمل موحدا، من أجل أسر الشهداء، فالوقوف مع ذوي الشهداء والجرحى أولوية لدي الجميع".

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...