أسر وعائلات مصرية.. أبعدتهم الحياة وآوتهم القبور!

مليون ونصف المليون يسكنون المقابر في القاهرة

عالم الأسرة » رحالة
17 - ذو الحجة - 1430 هـ| 05 - ديسمبر - 2009


1

خاض التجربة من القاهرة: منير أديب

معاناتهم ليست في المسكن فقط، وإنما وصلت إلى كافة الخدمات، فأخذوا من المقابر مأوى لهم، ومن مجاورة الأموات سكنا وسلوى، فهم الأحياء المنسيون بلغ عددهم مليونا ونصف المليون في غفلة من المجتمع والدولة.

اقتربت "لها أون لاين" من هذه الأسر للتعرف على مشاكلهم التي باتت تهدد المجتمع فأحلامهم لم تزد عن البحث عن مأوى، تخيلونا في بداية الأمر أننا جئنا كي نعطيهم سكنا، فقلنا لهم أنتم تسكنون في قلوبنا، ونحن من منطلق مهنيتنا نحاول أن نسلط الضوء على معاناتكم.

عشنا مع هذه الأسر أكثر من أربع ساعات من بيت إلى بيت، أو إن شئت فقل: من مقبرة إلى مقبرة، فأكثر ما كان يميزهم رغم البساطة الشديدة والأثاث المتواضع بشاشة الوجه والرضا، فلجمت ألسنتهم جميعا إلا عن ترديد المثل القائل "القناعة كنز لا يفنى".

رغم بساطة حالهم وتواضع أحلامهم؛ إلا أنهم جميعا كانوا يصرون علي تقديم واجب الضيافة وكانوا يتعففون رغم حاجتهم الشديدة التي تبدو على تجاعيد الوجه ونظرات العين التي تحلق في هذا المكان قرابة الـ 50 عاما كما حكت لنا إحدى العجائز، فجميعهم رفض التصوير وبعدهم حكى معاناته دون أن يشير إلى اسمه.

أحببنا أن نعيش معاناة هذه الأسر قبل أن نصل إليهم فقمنا بامتطاء "أتوبيس" هيئة النقل العام هذه المواصلة التي يستخدمها الكثيرون من أحياء المقابر عندما يخرجون إلى عالم الأحياء الحقيقي، عندما طلبنا من سائق السيارة أن يقف بجوار محطة مقابر السيدة عائشة تحديدا مقابر السيدة نفيسة فرد السائق مباغتا، وماذا تريد من هؤلاء يا أستاذ؟ فقلت له: أريد نقل معاناتهم، فهل أجد أسرا كثيرة في هذا المكان؟؟ فوجدت أصواتاً تتعالى بكثرة! وتخيلت أن الأتوبيس بكامله يرد على تساؤلي فقال الجميع في صوت واحد: " ستجد مصر كلها هناك يا بيه".

سمعت الإجابة التي توقعتها عندما بدأت هذه الرحلة، ووضعت قدمي اليمنى على بداية شارع السيدة نفيسة أكبر شوارع المقابر بالسيدة عائشة فإلى هذه المعاناة:

فتحية علي تبلغ من العمر 62 عاما تحكي معاناتها قائلة: "أنا أسكن في مقابر السيدة عائشة منذ أكثر من 46 عاما فنحن قد ورثنا المقابر جدا عن جد، ويأتمننا أصحابها خوفا على أمواتهم من السرقة بعدما انتشرت في مصر سرقة الجثث والأكفان".

واستأنفت فتحية قائلة: إنها لجأت وزوجها إلى سكنى المقابر بعدما ضاقت الدنيا بهم منذ 46 عاما دون أن يشعر بهم الناس ودون أن تتدخل الدولة في محاولة تحسين أوضاعهم.

وأضافت: نحن نعيش في غربة شديدة، وألم نفسي منقطع النظير؛ نتيجة افتقاد أهل الخير وغياب الصورة الحقيقة عن معاناتنا للعالم، فلا نجد من يساعدنا على التداوي إذا مرض أحدنا, ولا من يساعدنا على تعليم الأبناء خاصة مع تزايد المصاريف الدراسية.

تنهي فتحية كلامها بالقول: معاناتنا أكبر مما تتخيله, فلا تتعجب أن نعيش وسط المقابر وبعض المباني الخربة التي هجرها أصحابها إما الموت أو بالقسر، معاناتنا الحقيقية في المجتمع الذي يحاربنا فنجد من يتهجم علينا يوما بعد يوم! والحكومة بدلا من أن تمد يد العون لنا تقطع عنا الكهرباء، وتضيق علينا أكثر مما نحن فيه، والبعض الآخر يفرض علينا إتاوات حتى نستمر  في مساكنا وسط هذه المقابر وإلا سيلقى بنا في الطرقات.

1

يلتقط الخيط  محمدي عزب يبلغ من العمر 70 عاما، وأسرته مكونه من عشرة أبناء ولديه زوجتان قائلا،: "إننا نسكن في غرفتين أحدهما للبنين، والأخرى للبنات، أما أنا وزوجتي نسكن الطرقة بين الغرفتين، والحكومة تطالبنا بدفع مبلغ 60 جنيها إيجارا شهريا بدعوى أن الحوش الذي نسكنه ملكا لهيئة الأوقاف".

ويحكي محمدي، مأساته التي يرى أنها أخف من مآسي الآخرين بقوله: "نحن نعاني معاناة شديدة في الصحة ولا نجد أطباء يداوون مرضانا! وكثيرا من توفى منا إما نتيجة الإهمال، وإما لبعد المستشفى التي ننقل إليها، أو لعدم وجود وسيلة مواصلات سريعة إلى مكان العلاج".

وطالب المجتمع بحياة آدمية لهؤلاء "المقبورين" قائلا: "من حق هؤلاء أن يعيشوا ومن أبسط لوازم هذه المعيشة السكن الذي لم يتوافر لنا حتى هذه اللحظة رغم الوعود الكثيرة لنا".

ويقول أحمد علي يبلغ من العمر 35 عاما:"نحن نتعرض للسرقة والسطو المسلح! فضلا عن أن المقابر أصبحت مأوى لبعض المجرمين بالشكل الذي يسوء لسكانها فتقوم الأجهزة الأمنية بأخذ العاطل في الباطل، ولا تفرق بين السكان وبين المجرمين الحقيقيين".

ويقول محمد:"إنه لم يكمل دراسته لأنها كانت عبئا على أسرته المكونة من والدة وثلاثة من الإخوة غيره، ففضل أن يرفع هذا العبء عن والده".

ولفت، إلى أنه تزوج ورزق بولدين ومازال يسكن مع والديه في نفس "الحوش" بعدما قام ببناء غرفة مستقلة في فراغ بين مقبرتين.

يضيف محمد أن معاناتهم ليست في التعليم؛ وإنما في الشرب والأكل وفي الصرف الصحي، واصفاً الحياة بأنها ليست آدمية ولا يجوز للمجتمع أن يتركهم هكذا بهذا الشكل دون مساعدتهم.

1

تحكي زينب عبد الرحمن وزوجة ابنها سحر رمضان الذي يسكن معها في نفس الغرفة الملحقة بحوش ضيق لا يتعدى عرضه في الطول 6 أمتار مأساتها قائلة: " نحن أحياء نستنشق الهواء ولكننا في الحقيقة أموات! ليس لأننا نسكن مع هؤلاء الأموات؛ ولكن لأننا لا نتمتع بأي من الخدمات التي تقدم للأحياء! فلا نجد صرفا صحيا ولا ماء وحتى الطعام لا نجده فوجبة نأكلها وعشرة لا نأكلها.

وتحكي موقفا طريفا ولكنه في نفس الوقت شديد الألم النفسي تعرضت له اليومين الماضيين تقول: "عشت مع الأموات ساعة كاملة حين سقط عرش الحوش الذي نسكن فيه، وتهاوت الأرض من تحتي فوجدت نفس تحت المقابر ولم أستطع الخروج إلا بمساعدة بعض الأهالي عندما اكتشفوا غيابي وبحثوا عني، والحقيقة شعرت ساعتها ألا فرق كبير بيني وبين هؤلاء الأموات".

أنهت زينب حديثها قائلة:"الدنيا فانية والأرزاق بيد الله، فرغم أننا نعيش بين الأموات وآخرون يعيشون وسط الأحياء وفي أرقى الأحياء؛ إلا أن الجميع يأتي إلينا حياً أو ميتاً.. فهذا المكان يجمع كل البشر دون تفرقه"!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- غيورة -

18 - ذو الحجة - 1430 هـ| 06 - ديسمبر - 2009




الله يعين فصبر جميل والله المستعان

-- عبد العليم - السعودية

18 - ذو الحجة - 1430 هـ| 06 - ديسمبر - 2009




كثير من هؤلاء الناس لا يترك السكن في المقابر حتى لو توفرت له الفرصة للانتقال إلى منطقة سكنية أفضل وذلك بسبب سهولة الاختفاء في المقابر عن أعين الشرطة فغالبية هؤلاء يتاجرون في أمور ممنوعة، وقليل منهم فقراء فعلا

-- ولول - إندونيسيا

21 - ذو الحجة - 1430 هـ| 09 - ديسمبر - 2009




لا سامح الله المسئولين فى مصر وحسبنا الله ونعم الوكيل

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...