أصبح أبي غنيا

عالم الأسرة » همسات
05 - محرم - 1433 هـ| 30 - نوفمبر - 2011


أصبح أبي غنيا

كان أبي فقيرا، كمعظم الآباء العرب في بداية حياتهم الزوجية، ومع كل طفل يرزقونه يزدادون هلعا من غول الفقر، فيندفعون نحو طلب الرزق حتى لو اضطروا وهم يركبون سياراتهم طلبا للرزق أن يضغطوا على دواسةْ الوقود إلى نهايتها؛ لتصل إلى أقصى  سرعة في سيارة تسير في طريق جبلي ذي منعطفات حادة، وهم يعلمون علم اليقين أن هذه السيارة، لا يمكن التحكم في إيقافها، حيث إن فراملها معطلة فكأنهم يفضلون هلاكا محققا،  ظنا منهم أنه أفضل من الموت فقرا، رغم أن الفقر لا يسبب الموت، خاصة إذا  عرفنا أن تعريف الفقر عندهم هو العيش تحت ظل دخل محدود، حتى إن أصحاب الدخل المتوسط يُعرفون أنفسهم بأنهم فقراء ويستحقون الصدقة، والكل يريد أن يكون غنيا، ومهما بذل  من تضحيات، المهم أن يكون غنيا.

من حسن الحظ، أنني كنت الابن البكر لأبي  وعشت مرحلة فقره الذهبية، ومع ذلك فقد  كان كثير اللعب معي، ويتنزه بنا على  الكورنيش و في  الحديقة وكان  يجلس مع أمي يشربان  الشاي والقهوة ويشويان اللحم لنا، ويستمتعان بإطعامنا، ولكنه كان كثير التذمر من فقره رغم أنني  كنت لا أشعر به ولا أعرفه، أكثر ما كان يزعجه هو سداد إيجار البيت، ويرفع ضغطه فواتير الكهرباء والماء والهاتف، وتحاول أمي الصالحة التهوين عليه، ولكن دون جدوى.

دخل الأسهم كحال الكثير من الشعب الخليجي يريد غنى، فأصبحنا أغنياء إلا إن أبي لم يعد يلعب معي، وقد تمر أيام لا نراه، لم يعد يصطحبنا للكورنيش ولا يذهب بنا إلى  الحدائق، أصبح مزاجه حادا مرتبطا بمؤشر الأسهم، إن صعد المؤشر أصبح  مزاجه هادئا وأعطانا ما نريد من المال فقط، إلا إنه  لم يكن لديه وقت أو جهد ليعطينا حبا، وإن انخفض مؤشر الأسهم أصبح يزبد ويرعد وتنتابه  حالة غضب هستيرية، تحاول فيها أمي أن تبعدنا عنه؛ لأنه يكون أشبه بمجنون يهددنا بالطرد أو بهجراننا، ويتفوه بكلام غير معقول، لا أنسى  تلك الليلة التي حاولت أمي فيها نصحه بالاهتمام  بصحته وبدينه وبأولاده فما كان منه إلا أنْ طردها من المنزل، ظنناها لحظة غضب ستزول، ولكنه أصر وظل واقفا يدور خلفها، وهي تحاول الاختباء عن ناظره من غرفة إلى  غرفة، وخوفا من  أن  تزداد الأمور سوءا خرجت إلى  الشارع، فهي يتيمة الأم  والأب، حتى  التقطها من الشارع أقرب أخ، وخلا بيتنا ممن يرعانا، أب مشغول بالغنى،  وأم مطرودة ولا ندري هل ستطرد إلى  الأبد أم ماذا سيكون مصيرنا؟ حاول أبي التخفيف عنا ووزع علينا المال لكي يرضينا، ولكنا أرجعنا له  ماله، وقلنا له  نريد أمنا،  إلا إنه  لم يأبه لدموعنا، ولكن الله سلم فبعد أيام دخلت علينا أمنا بمفردها  فلقد نصحها أخوها العاقل، فرجعت وفاجأتنا بقولها: أعلم أن  أباكم سيزداد سوءا، فهل أنتم مستعدون للتعاون كي نواجه هذا الوضع، ونجعل  ذلك تحديا لنا لنكون عبادا لله صالحين متفوقين في دراستنا بارين بوالدينا.

: ماما كيف عدت؟

-  ربما دعوة والديً؟.

-  ربما صدقة من أبيكم.  

:أبي كنا فقراء ولكننا  سعداء، وأصبحنا أغنياء إلا أننا  تعساء.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
أصبح أبي غنيا
-- - السعودية

24 - محرم - 1433 هـ| 19 - ديسمبر - 2011




قصة جميلة تذكرنا بان الإحتياجات النفسية اهم من الإحتياجات المادية لأن الثانية من الممكن تعويضها اما بالنسبة للأولى من الصعب تعويضها وإن استطعنا تعويضها الإ ان اثارها تبقى مدى الحياة وفد تتسبب في مشاكل يصعب حلها

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...