أصحاب السبت: هل خدعوا أنفسهم أم الأسماك؟ لها أون لاين - موقع المرأة العربية

أصحاب السبت: هل خدعوا أنفسهم أم الأسماك؟

واحة الطفولة » واحة القصص
25 - صفر - 1440 هـ| 05 - نوفمبر - 2018


1

 

قوم من اليهود حرَّم الله عليهم أكل الحيتان - أي الأسماك - يوم السبت، فكانت الأسماك تقترب من شاطئهم يوم السبت، وتبتعد باقي الأيام، فاحتال بعضهم ليصطاده يوم السبت، فماذا فعل بعضهم الآخر؟ وهل تاب العُصاة أم تمادوا في أكل الحرام؟ وماذا كان جزاؤهم؟ تعالوا نتعرف على قصتهم:   

          كانت قرية من بني إسرائيل تعيش آمنة مطمئنة، تسكن على شاطئ بحر من البحار، وكان الله قد أحل لهم كل شيء، ورزقهم من الطيبات يأكلون ويتمتعون بنِعم الله، لكن الله سبحانه أراد أن يختبرهم ويمتحنهم؛ ليعرف من يطيعه ومن يعصاه، فحرّم عليهم أكل الأسماك يوم السبت فقط، وجعلها حلالًا لهم سائر الأيام.

هل كان الاختبار صعبًا؟

بعد فترة، اشتاق كثير من أهل القرية إلى السمك، فكانوا يذهبون إلى شاطئ البحر ليصطادوا، فلاحظوا جميعًا: أن الأسماك تأتي إلى شاطئ البحر يوم السبت بكثرة، حتى إنهم يمكنهم أن يُمسكوها بأيديهم بسهولة لو أرادوا، وتظل الأسماك تلعب أمامهم وتتقافز في الماء طوال يوم السبت قريبًا جدًّا من الشاطئ، وأما في بقية أيام الأسبوع: فكانت الأسماك تدخل في الماء ولا تظهر لهم، فيصبح من يريد اصطيادها محتاجًا إلى دخول الماء لمسافة كبيرة، مع بذل جهد وصبر حتى يستطيع أن يصطاد ما يشاء من أسماك.

أراد بعض أهل القرية من ضعفاء الإيمان: أن يصطادوا السمك دون جهد، وأخذوا يفكرون كيف يحتالون على أمر الله؛ ليأكلوا السمك دون تعب ودون جهد، فأتاهم الشيطان ووسْوَس إليهم قائلًا: إنما حُرِّم عليكم أكلها يوم السبت، فاصطادوها يوم السبت وكُلوها فيما بعدُ!

 

حيل مبتكرة في المعصية

فبدأت تظهر الحِيل عند بعض خبثاء بني إسرائيل، فمنهم من صار يصطاد الحوت يوم السبت، ثم يشبك فيه طرف خيط قوي، ويعيده إلى الماء، أما الطرف الثاني للحبل: فكان يربطه في وتدٍ - خشبة يدقها في الأرض - على شاطئ البحر، فلا تستطيع السمكة أن تهرب بعد ذلك، وإنما تبقى في الماء طوال يوم السبت وهي مربوطة، وفي صباح يوم الأحد يأتي فيشدها من عند الوتد، ثم يشويها ويأكلها وهو سعيد بحيلته التي اخترعها.

وحيلة أخرى لجأ إليها بعضهم: وهي أن يصنع حفرة قريبة جدًّا من الشاطئ، ويجعل بينها وبين البحر طريقًا ضيقًا جدًّا، بحيث إذا اقترب السمك يوم السبت ودفعه الموج إلى الأمام وقع في الحفرة التي صنعها، ثم يغلق الرجل عليها طريق العودة، فإذا تراجع الماء بعد الموجة، تبقى السمكة محبوسة في الحفرة مع بعض الماء الذي قذفته الأمواج، ثم يتركها طوال يوم السبت، ويأتي في اليوم الثاني ليأخذها ويأكلها، وكأنه بذلك أطاع أمر الله، وحجته أنه أخذ السمك وأكله في غير اليوم الذي حرَّمه الله. وكانوا يفعلون هذا الأمر في البداية سرًّا؛ حتى لا ينهاهم أحد، أو يمنعهم أو حتى يُعاتبهم على مخالفة أمر الله.   

ومع ذلك، لم يُعاجِلهم الله بالعقوبة لعلَّهم يتوبون ويتركون المعصية.

 

العلماء يكشفون الخدعة والقرية تنقسم

ثم انتشر الأمر بعد أن تعلم الحيلة آخرون من أهل القرية، فاستخدموها هم أيضًا، وصار بعض الناس معروفين بهذه الحيل، لدرجة أنهم تجرؤوا أكثر وصاروا يصيدون الأسماك بأعداد كبيرة بهذه الحيل، وينزلون بها إلى السوق ليبيعوا ما يزيد عن حاجتهم لبقية أهل القرية، فقال لهم علماؤهم: هذا خطأ وحرام، فأنتم تصطادون يوم السبت، وهذا لا يَحِلّ لكم.  

فيرد هؤلاء المعتدون الماكرون العصاة قائلين: إنما صِدنا الحيتان يوم الأحد حين أخذناه. 

عند ذلك، انقسمت القوم في القرية إلى ثلاثة أصناف:

أما الصنف الأول فالصالحون الناصحون: وهؤلاء امتنعوا عن أكل ما حرم الله، ونهوا الذين يأكلون السمك بالحيل عن معصية الله، وكانوا ينصحونهم دائمًا بالتوبة وترك المعصية.

وأما الصنف الثاني: فامتنع عن أكل الحرام خوفًا من الله، ولكنهم خاصموا الذين يأكلون السمك بالحيل، ولم يكلموهم أو ينصحوهم بترك المعصية؛ لشعورهم أنه لا فائدة من نصحهم، وأن الله لابد أن يُنزل على المعتدين في السبت عذابًا، عقابًا لهم على معصيتهم.

 أما الصنف الثالث: وهم المعتدون على أمر الله: فهم الذين انتهكوا حرمة يوم السبت، وأصروا على الخطيئة.

لو كُنَّا مكانكم ما نصحناهم

استمر الحال على ذلك في القرية أيامًا، وكل صنف من هؤلاء الناس متمسك برأيه، وذات يوم، رأى أصحاب الصنف الثاني (الذين لا يرتكبون المعصية ولا ينصحون) المجموعة الأولى (الناصحين) وهم ينهون المجموعة الثالثة (المعتدين) عن أكل الحرام ويقولون لهم: اتقوا الله، وكفّوا عن معصيتكم.

 فقال الذين لا ينصحون للناصحين: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا}سورة الأعراف 164، أي لم تعظون وتنصحون هؤلاء العصاة، وقد سبق أن وعظتموهم فلم يطيعوكم؟ إن هؤلاء العصاة سيهلكهم الله أو يعذبهم بلا شك، فقد استحقوا العذاب، فلا تتعبوا أنفسكم معهم.

فقال أهل النصح: {مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}سورة الأعراف 164، أي نقوم بواجبنا تجاههم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولعلهم يخافون الله، ويتركون ما هم فيه من المعصية، ويرجعون إلى الله تائبين فيرحمهم، فهذا أحبُّ إلينا من أن يَهلكوا أو يُصيبهم العذاب.

 

الخلاف يكبر، والمعتدون يعاندون

فلما رفض المعتدون (الفاعلون للمنكر) قبول النصيحة، قال لهم بقية أهل القرية: والله لا نسكن معكم في مكان واحد، فإننا نخاف أن ينزل عذاب من الله، فنهلك بسببكم. فقسموا القرية بجدار عالٍ، وجعل الطائعون لله لأنفسهم بابًا، وجعل المعتدون لأنفسهم بابًا، وصار الطائعون يخرجون من بابهم، والمعتدون من بابهم، فشعر المعتدون بالارتياح؛ لأنهم تخلصوا من الذين ينصحونهم، وكذلك من الذين خاصموهم ولم يكلموهم، ثم أسرف المعتدون وتمادوا في ارتكاب المحرمات والمعاصي.

          وما هو إلا يوم أو اثنان، حتى فوجئ الطائعون لربهم: بأن المعتدين لم يفتحوا بابهم، ولم يخرجوا من مكانهم، ولا يُسمع لهم صوت ولا حسٌّ، فلما مر يوم كامل دون أن يروهم، قال المطيعون ربهم بعضهم لبعض: لا شك أن شيئًا ما قد حدث، فهيا نذهب ونرى.

 

من أين جاءت القردة؟

دقّ المطيعون على المعتدين في السبت بابهم، فلم يردوا ولم يفتحوا، فقال الطائعون: لعلهم وقعوا في مشكلة، وعلينا أن نساعدهم إن كنا نستطيع، فهم من أقاربنا وجيراننا. ثم أحضروا سُلّمًا وصعد أحدهم عليه، فرأى منظرًا كاد أن يشيبَ له شعره، إذ رأى المعتدين وقد تحولوا إلى قردة يقفز بعضهم على بعض، فقال للناس: والله إني لأراهم قرودًا لها ذيول. فرأى في عيون الناس الدهشة وعدم التصديق، فنزل إلى مكان القردة وفتح بابهم لبقية القرية ليروا ما حلَّ وجرى بالمعتدين، فلما دخل أهل القرية ذُهلوا وحزنوا، ولكنهم قالوا في أنفسهم: الحمد لله الذي جعلنا من الطائعين، وثبَّتنا على الحق، وإلا لكُنَّا الآن مثل هؤلاء القرود. ثم عرفوا كل قرد، وكل قرد يعرف قريبه من الطائعين، فصار كل قرد أو قِردة يتمسح بقريبه أو جاره من أهل القرية وهو يبكي، فيقول له الطائع: ألم ننهكم عن المعصية؟ فلا تستطيع القرد أو القردة أن تجيب بالكلام، وإنما تبكي ندمًا وحسرة؛ فقد فات الأوان، وتهز رأسها بمعنى بلَى، وهذا جزاءُ معصيتنا.

 

انتقام لا يُنسى

ثم إن القُرُود والقِرَدة خجلوا من أنفسهم وخرجوا من القرية كلها، وذهبوا في أرض خالية لا يعرفهم بها أحد، فقد صاروا في حالة شديدة من الذلة والمهانة، قال تعالى: {فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}سورة الأعراف 166 (عَتَوْا: أي تجاوزوا في معصيتهم وفسادهم). وهكذا أنجى الله المؤمنين الذين لم يفعلوا المعصية، وانتقم من الذين ارتكبوا المعاصي ليكونوا عبرة لمن يعتبر.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...