أطفال بين أحضان أجدادهم: أمهاتهم موظفات لا يفضلن الحضانات

عالم الأسرة » شؤون عائلية
23 - ربيع أول - 1438 هـ| 22 - ديسمبر - 2016


أطفال بين أحضان أجدادهم: أمهاتهم موظفات لا يفضلن الحضانات

الرباط ـ سمية الوردي

"أطفال في أحضان أجدادهم" ليس عنوانا لقصص أطفال طلاق، أو فقدان أحد الوالدين، بل هو تعبير عن حال أطفال يرثون أماكن آبائهم بين أحضان أجدادهم؛ لأن أمهاتهم غادرن بيوتهن من أجل الوظيفة.

في هذه الزاوية يستعرض موقع لها أونلاين حالات نساء اخترن الاستعانة بأمهاتهن وآبائهن لرعاية أطفالهن، بدل وضعهم في رياض الأطفال، خوفا من مخاطر صحية أو تربوية، قد تترك جراحا في حياة الطفل يصعب التئامها.

اللجوء إلى الأجداد ليس فيه مصلحة للأبناء والأمهات فقط، وإنما الأجداد أيضا يجدون راحة وهو يعيدون تربية جيل جديد، وهم في سن التقاعد مما يجعلهم يحسون بحيوية وتجديد؛ لأنهم يثبتون أنهم ما يزالون قادرين على العطاء، كما يثبتون بالملموس مقولة: "أعز من الولد ابن الولد "

أمي الممثلة

شبهت إحدى الأمهات الموظفات التي اختارت الاستعانة بوالدتها في تربية ابنها الأول، (شبهت) أمها بالممثلة التي تلعب فوق خشبة مسرح الحياة دور الأم الجديدة، مفسرة ذلك بأن تربية أمها لابنها تعيد شريط تربيتها هي لما كانت صغيرة.

وقالت (ح. هـ) التي تعمل موظفة بالقطاع العمومي لـ "لها أون لاين": "إن أهم ما يشغل بال المرأة الموظفة في المرحلة الأخيرة من إجازة الولادة ـ التي ما تزال للأسف محددة في ثلاثة أشهر ـ هو من هي اليد الآمنة التي تستحق أن تضع لديها ابنها، ويلقى الرعاية الخاصة به، حتى ينمو نموا جسديا ونفسيا سليما، يؤهله ليركب قطار الحياة ،وهو يتمتع بمقوماتها، ونظرا لما أسمعه من أخبار حول الحضانات وأضرارها الصحية ـ بالخصوص ـ والنفسية. قررت أن أضع فلذة كبدي بين يدي والدتي، فأنا واثقة أن الحنان الذي ستمحنه له، سيفوق ما تمتعت به وأنا صغيرة بين أحضانها، كما أن والدي الذي تقاعد عن العمل من وزارة الصحة لن يدخر جهدا في العناية بحفيده".

وأضافت هذه الأم التي قارب عمر ابنها الآن السنتين: أنها تضع ابنها لدى والديها صباحا قبل الذهاب إلى مقر عملها بالعاصمة المغربية الرباط، وتعمل في المساء على جلبه ليأخذ حظه من حنان الأم والأب، ورغم أنها مطمئنة لرعاية ابنها، وترى من والديها كل الحرص على راحة الابن من جميع النواحي بدقائق تفصيلاتها، إلا أنها تخاف عليه من التشتت العاطفي عبر الارتباط بجديه إلى جانب والديه، خصوصا مع العاطفة الزائدة لوالدها، ولكنها تعزي نفسها في أن ذلك أهون من أن تضعه في حضانة لا تأمن عواقبها".

ومما يخفف على (ح. هـ) وطأتها، تطمين أمها لها، وهي تؤكد لها أنها تربي ابنها كما كانت تربيها، مما جعلها تشبهها بالممثلة التي تعيد أطوار التربية للمرة الثانية.

نعمة التقاعد

إذا كان البعض يرى في تقاعد الآباء مسألة سلبية؛ لكون الفراغ يبعث على القلق وكثرة المشاداة بين المتقاعد وأهله، إلا أن بعض النساء يقرأنه بمضمون المثل القائل: "مصائب قوم عند قوم فوائد" ويتمثل ذلك شهادة لامرأة موظفة حولت الكأس المر لتقاعد والديها إلى شراب حلو المذاق، وهما يملآن فراغهما برعاية ابنيها (ذكر وأنثى) كل منهما لفترة معينة، فقد اهتموا بالبنت الكبرى وبعدها بالمولود الثاني، وما يزالان يقدمان يد المساعدة لهذه الأم التي تشغل مهندسة في إحدى الإدرات التابعة للدولة.

قالت الأم لـ "لها أون لاين" وعلامات الاطمئنان بادية على محياها: "كنت أظن أن التقاعد سيؤثر نفسيا على والدي اللذين عملا لسنوات دون كلل أو ملل، لكن العكس هو الذي وقع حين وجدتهما كلهما حيوية وهما يرعيان طفلي، حتى أن والدي لا يرتاح له بال إلا إذا اطمأن لمأكل ومشرب وملبس ابني، وقد ارتبط به ارتباطا وثيقا، وهو الآخر لا يفتر عن ذكره والابتسامة كلما ذكرناه ولو كان بعيدا عنا".

ترى هذه الأم أن الوالدين، وخصوصا إذا كانا يتمتعان بنصيب محترم من الوعي، مع الخبرة التي اكتسبوها في الحياة، يكونان أحسن وجهة للرعاية بالأبناء أثناء غياب الأم، خصوصا إذا كانوا يقطنون بالمدينة نفسها التي تقطنها الأم، مما يجعل الطفل يتمتع بالعناية اللازمة دون أن يحرم من حنان أمه.

وأشارت هذه الأم إلى أن الأم المتقاعدة تكون هادئة، ولن تمرر التوتر إلى الطفل عكس الأم التي تأتي من العمل متعبة أو متوترة، وقد يؤثر ذلك على وليدها إن لم تعمل على تجنب ذلك.

البعد أهون

رغم بعد المسافة بين الأم وابنتها (ن. ع) إذ تقطن هذه الأخيرة بالرباط، بينما تقطن والدتها بمدينة تبعد قرابة 200 كلم، إلا أن (ن. ع) اختارت أن تضع ابنتها البكر بين أحضان والديها مباشرة بعد انقضاء إجازة الولادة، وعللت (ن. ع) موقفها لـ "لها أونلاين" بالقول: "أفضل أن اضعها بين أيد آمنة وأسافر لرؤيتها مرة كل أسبوعين، على أن أضعها في حضانة قد يتم إهمالها صحيا أو تصاب بمكروه فأندم طول حياتي".

ولا تنكر (ن. ع) أنها تأثرت بما تسمعه من أخبار حول ما يقع في الحضانات، فالبعض يقول: إن المربيات يناولن الأطفال بعض الأشربة حتى يناموا بسهولة، والبعض الآخر يتهم المربيات بمعاملات سيئة قد تصل إلى الضرب، كما أن من الموظفات اللواتي وضعن أبناءهن في الحضانات عانين من الجانب الصحي لأبنائهن، سواء تعلق الأمر بالبرد أو بسوء التغذية، ناهيك عن أخبار تهم الفضاءات المخصصة للأطفال، وعدم ملاءمتها للشروط الصحية الواجب توفيرها لفئة خاصة يجب رعايتها رعاية هامة، ثم العدوى المرضية التي تكون نتيجة ضيق بعض الأماكن خصوصا في فصلي الخريف والشتاء.

جربت (ن. ع) الاستعانة بوالديها مع ابنتها الأولى وكانت ناجحة، وأعادت الكرة مع ابنتها الثانية، وهي تحمد الله على نعمة الوالدين في جانب الإعانة على التربية، لكنها وبعد بلوغ ابنتها الكبرى خمس سنوات استقدمتها إلى جانبها، وكذلك فعلت مع البنت الصغرى، وتعتبر تجربتها تجربة ناجحة لأنها تجنبت مشكلات الحضانات.

الوالدان بشرط

(إ. م) موظفة لا تحب التوقيع على بياض، ولا تتفق كليا مع اختيار الوالدين لاحتضان أحفادهم، وعللت موقفها لـ "لها أون لاين" بكون البيئة الحاضنة للطفل يجب أن تكون آمنة، فإذا كان أحد الوالدين مثلا من المدخنين أو من مدمني السهر، أو مدمني مشاهدة التلفزيون، فهل يصلح لرعاية طفل ما يزال في طور التكوين، لا تتحمل رئتاه استنشاق رائحة الدخان، ولا يتحمل جسمه السهر، كما لا تؤمن عواقب مشاهدته للتلفاز.  

وأضافت المتحدثة في تصريحها لـ "لها أون لاين" أن صديقتها جربت إيداع طفلها لدى والديها اتقاء شر الحضانة المتمثل في البرد، لكنها حين لاحظت إدمان والدها على مشاهدة التلفاز، وخصوصا الأفلام والأغاني، قررت استرجاع ابنتها، مفضلة علاج البرد على المعاناة من متابعة التلفاز. مضيفة أن بعض الأمهات الأخريات أيضا لا يحبذن الاستعانة بوالديهن لسبب من الأسباب المذكورة. وختمت (إ. م) حديثها: بأن الأم حين اختيار مكان وضع ابنها أثناء خروجها للعمل، يجب أن تستحضر أيضا الجانب الروحي.

مسؤولية

من المعلوم أن مسؤولية تربية الأبناء مسؤولية جسيمة على عاتق الوالدين، والطفل في سنواته الخمس الأولى يحتاج إلى تأهيل جسماني وعاطفي يمكنانه من نمو متوازن وسليم، يجعله قادرا على الاستمرار في الحياة بانسيابية وطلاقة.

ويقول الدكتور لطفي الحضري أخصائي نفساني بالرباط، في إحدى محاضراته المتضمنة في كتاب لمنتدى الزهراء للمرأة المغربية بعنوان: "المرأة الموظفة والتوزع بين الأدوار": "فترة الطفولة الأولى هي مرحلة وضع الأسس في عملية البناء النفسي والتربوي،  التي تتواصل في ما يستقبل من المراحل العمرية الموالية،  ويتحدد فيها التصميم الدقيق للشخصية، فإن تدخل الأم في هذه المرحلة هو الأقوى والأجدى،  فهي التي تباشر باقتدار وفعالية التربيتين الروحية والجسمية".

وأضاف الحضري بخصوص الشروط التي يجب توفرها فيمن سيقوم مقامها أثناء غيابها: "البديل العاطفي هو الشخص الذي يستطيع أن يأخذ مكان الأم في وقت غيابها، يجب أن يكون على مستوى عال القدرة على إبراز العاطفة للطفل، فالحضور بالجسد وحده لا يكفي. فلا بد من استثارة العاطفة، ووجود تواصل عاطفي حقيقي، يدفع الطفل إلى الإحساس بالاطمئنان، وإلى تدبير "قلق الانفصال". هناك بعض التقنيات التي يمكن أن تساعد هذا البديل العاطفي على ممارسة دور الأم حيث يمكنه أن يستعمل:

ـ صور الأم.

ـ عطور الأم.

ـ الحديث عنها والقول بأنها تفكر فيه.

وذهب "لاكون" إلى تأكيد هذا المنحى، بحيث أبرز في عدة دراسات أن الغياب والحضور يتأثران سلبا وإيجابا بقدرة البديل العاطفي على إحضار الغائب عبر الحديث عنه".

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...