أغلق صفحة الماضي!

عالم الأسرة » همسات
05 - جماد أول - 1440 هـ| 12 - يناير - 2019


1

للماضي ذكرياته المنقوشة في حنايا الذاكرة، والتي تتنوع بين أحداث تبث الحنين إليه وبين مواقف تجعل منه مصدراً للألم، وكثيراً ما يمتد هذا الألم رغم سنوات مضت على رحيله.. ويظهر في بصمة الانفعالات السلبية التي لازالت واضحة الأثر في الحاضر والتي نعيشها وكأنها حدثت الآن لحظة بلحظة ونقلبها كل يوم، ونلوم أنفسنا على ما كان ونتحدث في أنفسنا لو أنه لم يكن ذلك.. أو لو فعلنا ذلك. مما يؤكد حقيقة أننا مازلنا نعيش حياتنا الآنية لكن بنفس قالب حياتنا منذ سنوات وبنفس الأسلوب والانفعال وننظر للمستقبل نظرة مظلمة في بعض جوانبه لانعكاس تجربتنا الماضية عليه.

لكننا نغفل أن جميعنا لنا ماض تختلط فيه الذكريات الحلوة والمرة لكن البعض قرروا البدء من جديد وترك ما كان خلفهم لأنهم أدركوا أنه من الخطأ أن يُثبتوا أنفسهم وذاكرتهم عند ما مضى، بل عليهم أن ينطلقوا؛ ليعيشوا ويحرروا أنفسهم من قيوده بقوة أكبر وخبرة تنير دربهم، وتجعلهم ينطلقون للمستقبل بأمل وتفاؤل. ولكن لايزال البعض منا يقبع في سجن ماضيه الأليم ولا يعرف كيف يمكنه تغيير حياته والتخلص من بقايا الماضي..

والحقيقة أنه حتى ننطلق ونبني حاضرنا ومستقبلنا بشكل أفضل لابد من إغلاق صفحات الماضي؛ لنتمكن من ترتيب ملفات الحاضر والمستقبل فانشغالنا بالماضي يعيقنا عن الانشغال بالمستقبل بالإضافة إلى أن حياتنا وأفكارنا أثمن من أن نحصرها ونستهلكها في التفكير بماض غادر ولا فائدة من التفكير فيه فنكون كمن يطحن الدقيق.. فأي فائدة تعود عليه؟

لكن كيف يمكن أن نغير مسارنا من الماضي للحاضر وننظرللمستقبل بشكل أفضل؟

بالتأكيد أن هذا لا يحدث بسهولة لكنه في الوقت نفسه ليس مستحيلاً وذلك إذا اعتبرنا أن الماضي خلاصة مركزة من تجربة شخصية صادقة حدثت وفي الغالب لها مسببات ونتائج.. والنهج السليم نحو مسيرة النجاح في حياتنا المستقبلية يدفعنا للتأمل في مسببات الإخفاق تأملاً تحليلياً؛ لنتجنب المسببات ولنتعلم من النتائج. مع النظر للتجربة على أنها حدث خارجي غير شخصي بمعنى النظر إليها خارج إطار الحدث أو المشكلة وكأنها مشكلة لا علاقة لنا بها بتجرد تام ومن ثم نستطيع تفكيكها بموضوعية والاستفادة منها دون أن تعيق انفعالاتنا -المرافقة لها - من الاستفادة منها فالانفصال عن الحدث عامل مهم.مع محاولة تذكر الماضي لكن بمنظور جديد فالتركيز على المشاعر السلبية فيه والأحداث المزعجة لا يساهم في إرجاع الماضي وحله بل يعقد الأمور أكثر بإفساد الحاضر وتشويه المستقبل لكن إن استرجعنا الأحداث من الزاوية الإيجابية رغم قسوة ما فيها سنستعيد جزءا من قوتنا ودافعيتنا للحياة من جديد. ويمكن استخدام هذا الأسلوب الإيجابي مع جميع الأحداث بالبحث عن المواقف الإيجابية فيها مهما كانت صغيرة.. وإن لمنتمكن من ذلك؛ لسيطرة المشاعر السلبية في وقت ما يكفي أن نتذكر أنها مضت ولن تعود، وأن وراء كل ظلام نور يشع مع نسمات من الرحمة والأجر من الله على الصبر. وأننا لو لم يكن منا إلا أن نتعلم تجنب مسببات ماحدث أو تجنب من أساء إلينا وانكشاف الحقائق أمامنا لكفانا ذلك.

وأن نتعامل مع الأفكار والانفعالات السلبية بإسقاطها على الورق فذلك يحقق الشعور بالراحة؛ لخروجها من الحيزالنفسي وكسر الحلقة المفرغة للأفكار السلبية. كما أن اعترافنا لأنفسنا وعدم انكارنا لما حدث من أخطاء يريحنا. فعندما نُحدث أنفسنا ونعترف قائلين نعم أخطأنا وتألمنا في الماضي ونال الألم منا وشوه بعض أيامنا وأزعجنا حتى في نومنا، وأننا كافحنا وعانينا لكننا الآن نحن في زمان آخر ومكان آخر بل لسنا بنفس العمر ولا الخبرة فلا يصح أن نتصرف نفس التصرف السابق أو أن نشعر بنفس المشاعر فقد أصبحنا أكبر من الألم وأكثر خبره في إدارة الجوانب المزعجة مما يزيدنا قوة.

فمن المهم ألا نهرب من الماضي والتفكير به لأنه سيلاحقنا، بل نواجهه ليهرب من قوتنا نتقبل ما فيه ونتقبل أنفسنا وأخطاءنا ونقيم سلوكياتنا؛ لنجعل ما مر بنا في كبسولات تُحصننا من الوقوع بنفس الخطأ وتدعم تقدمنا نحو المستقبل ولا نسمح لهزيمة أنفسنا بأفكار سلبية في الحاضر كالتي تقول لنا في حديثنا مع أنفسنا ضاعت الفرصة.. أصبحنا كباراً ولا يمكن التعامل مع الحياة وأحداثها. بل نتعامل مع الخطأ والتجربة الماضية كمعادلة رياضية أو كيميائية صرفة دون أي عواطف وذلك بتغيير أحد طرفي المعادلة لتتغير النتائج. فتغير بعض سلوكياتنا يغير مشاعرنا ويساعدنا لنتقدم نحو المستقبل بشكل أفضل. وعلينا أن نحرص على عيش اللحظة بكل ما فيها لأننا فيها ولسنا في مكان آخر فلسنا في الماضي لنصارعه ولا في المستقبل لنخاف منه، ولنكن على يقين أن طريق النجاح طريق صعب ووعر.. لا كما يظنه البعض ممهد بالورود والحرير. لذلك فالوصول للنجاح يقتضي أن نتجاوز الماضي بكل ما فيه ونتخطى العقبات ونتسلح بالصبر وقوة العزيمة؛ لتصبح العقبات سلماً للارتقاء لا أحجاراً نتعثر بها.

ولنحرص على أن نعيش الواقع والتفكير في الآن وكيف نصل ولا نستعجل الوصول للأهداف بل نبحث ونقرأ عن الكيفية التي وصل بها الناجحون لنتعلم منهم.وأن نبدأ من حيث وصل الآخرون أو حيث وصلنا من قبل على الأقل دون أن نتراجع للصفر.بل نتقبل وضعنا الحالي ونتصالح مع أنفسنا على ما كان فالماضي ذكرى مجرد ذكرى لا يمكن تغييره وما حدث فيه فرصة تعليمية جديدة تثري حياتنا؛ فلنستفد منها ثم نقلب صفحة الماضي ونمضي.

ولا نضيع الحاضر ونفسده بالتمسك بألم الماضي،بل ندع الماضي لأنه ببساطة تركنا، ولأننا لن نتمكن من الرجوع إليه لإصلاحه وتغيير ما نريده والأسوأ من ذلك أن نوقف عقارب ساعات حياتنا؛ لتقف عند آلام الماضي وننظر إلى فرص النجاح والسعادة وهي تبتعد عنا في المستقبل لنتمسك بالماضي.

وليسأل كل منا نفسه.. هل تألمت وحدي من الماضي؟

فعندما نبحث بتأمل في حياة من حولنا سنجد أن الانشغال بالماضي قد صرفنا عن تفحص تجارب الآخرين وتأمل معاناتهم.. بينما سنجد أن الكثير قد مر بما مررنا به ولسنا وحدنا بل منهم من كانت تجربته أشد قسوة ومرارة.. لكن العبرة بحاله الآن.. فتفاوت الناس في تقبل الأحداث والتعلم منها وجعلها بقايا رماد من الماضي يثبت أن المشكلة ليست في التجربة وقسوتها أو نوعية الألم، بل بتمسكنا بها على أنها جزء من حياتنا أو شخصيتنا أو صانعة لمستقبلنا. بينما هي تجربة مضت وانتهت. تعلمنا منها وازددنا خبرة واكتسبنا أشياء كثيرة عن الحياة ومن يعيش حولنا؛ لندرك أن مشكلتنا الحالية التي نكثر الشكوى منها ليست الماضي إنما سوء إدارتنا للحاضر والتخطيط للمستقبل وأن شكوانا من الماضي هي حيل إسقاطية نصطنعها حتى لا نلوم أنفسنا على سوء إدارتنا وتفريطنا بالحاضر. فإن أحسنا إدارة حياتنا فإننا بحاجة لأن نجعل من ذكريات الماضي خبرات.. ومن هذه الخبرات خطوات نحو المستقبل.وأن نتذكر دائماً ما قاله اينشتاين ففيه خلاصة تجربة وحكمة حيث قال:( ما يهمني أكثر من الماضي هو المستقبل حيث أنوي العيش فيه ....)

والآن اختر لنفسك..فلك حرية الاختيار والتفكير.. وقرر أين تفضل أن تعيش في الماضي أم في المستقبل؟

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...