أفلا ينظرون

دعوة وتربية » نوافذ
28 - رمضان - 1423 هـ| 03 - ديسمبر - 2002


أفلا ينظرون

ميساء الهواري

 

ويل لمن وارى ضياء الشمس عنه، وأوقد بدلاً منه شمعة يستهدي بها في غسق الدجى ويستنير. واهاً لمن أسرَّ ركزاً نفيساً بضاعةً، وباعه بثمن بخس دراهم معدودة وكان فيه من الزاهدين. عجباً لمن ترك جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، ونعمة كان فيها من الفاكهين إلى جنة ذات أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل.

ما ظنكم به، أمسَّه طائف من الشيطان، أم اعتراه الجنون وفتك بلبه؟! ألا يثير تصرفه حيرة واستغراباً، ويوقظ عمله دهشة واستنكاراَ؟ أما جانب فعله الصوابَ؟!

بلى.. قد فعلها وهو من الخاطئين، بيد أنَّ واقع اليوم المتلاطم أدهى وأمرَّ، والحقيق كل الحق بفغر الأفواه انشداهاً، فإن نعجب فعجب مآلنا وأحوالنا، ويح لنا أنحيا في كنف غير كنف الإسلام، ونسكن في مساكن الذين خلوا من قبله وكانوا ظالمين؟

العجب كل العجب من انبهارنا بحضارة الغرب واستقائنا لقيم ومفاهيم وأفكار تسوس حياتنا، ونتقبل كل ما يردنا باسم الغرب دون تمحيص أو تدقيق وتحليل، ودون أن ننظر إن كان في ديننا ما يقوم مقامها، أو إن كان في ديننا أساس وأصل لها، والمأسوف له حقاً أن الواقع يشهد بأن هذه بضاعتنا ردت إلينا، ونحن عنها غافلون، تاركين شرذمة قليلون من اليهود يأخذون ما نحتاجه في حياتنا من صميم ديننا وتشريعاته، ليعيدوا صياغته وتشكيله في قالب حديث، ويقدموه لنا على طبق من الحضارة الأوروبية زاعمين السبق إلى ابتداعه وابتكاره على غير مثال سابق، منتهزين غفلتنا وضآلة وضحالة علمنا بديننا، ولتتضح الرؤية، وتنجلي الغمة وتنقشع، سنضرب علم المنطق مثلاً لذلك، فلئن سألت أحد المتشدقين من المتفيهقين ممن يهرفون بما لا يعرفون الناعقين بأمجاد الحضارة الغربية الزائفة، ما المراد بعلم المنطق؟ لقال: المنطق فرع من فروع الفلسفة وهو علم يُعنى بالملاحظة والتحليل فالاستنتاج ومن ثم الوصول إلى حقيقة غائبة خافية واستنباطها.

المسكين، لقد ضلَّ سعيه في الحياة الدنيا، ويحسب أنه يحسن صنعاً، ليته فكر وقدر وغاص في أغوار دينه شيئاً يسيراً، لكان علم حينئذ أنه ما أوجد مفقوداً، وإنما اكتشف موجوداً، ولوعى أن لهذا العلم في القرآن عمراً مديداً، وعهداً بعيداً، في حينٍ كانت فيه أوروبا ما تلبث طفلاً وليداً، سله ألا ينطبق هذا الوصف بحذافيره على أمر إلهي كريم يحث على التفكر والتدبر وإعمال العقل في كل ما في هذا الكون من آيات ودلائل، وتحليلها واستنطاق صمتها، وإلقاء السمع لما تنبثق عنه من الأسرار وبديع الإعجاز، وإرجاع البصر الكرة تلو الكرة فيما تهمس به من الخفايا وباهر الإنجاز، تقر بأنه هو الله لا إله إلا هو، الذي أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى؟ أو بعد هذا كله أليس حرياً أن يطلق على هذا العلم (علم التأمل والتدبر) بدلاً من علم المنطق، أليس في هذا آيات للسائلين والممترين، أليس فيه دحض لأفك المبطلين، وكيد المفترين، ألم يأن لنا أن نعلم حق اليقين أن هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وصدق العلي العظيم القائل: ]إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم[ و]وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء[ والقائل جلَّ في علاه: ]وبينات من الهدى والفرقان[ و]هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون[ و]هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق[ وهو القائل سبحانه: ]وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون[، إن في ذلك لتذكرة لكل أواب حفيظ.



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...