ألك رؤية؟ لها أون لاين - موقع المرأة العربية

ألك رؤية؟

كتاب لها
08 - رجب - 1431 هـ| 20 - يونيو - 2010


1

لا يراودني أدنى ريب في أن الكثير من المسلمين اليوم يطمحون إلى أنواع عديدة من الارتقاء، تتفاوت الحاجة إلى أنواع معينة منها أو كلها، بالطبع، بحسب اهتمامات كل منهم ما بين تربوية وتعليمية واقتصادية واجتماعية وإيمانية وثقافية، وهذا سواء لأنفسهم أو مَن يهمهم أمرهم (كالأبناء بالنسبة للوالدين، أو التلاميذ بالنسبة للمعلم، أو عموم المسلمين والناس بالنسبة للدعاة إلى الله، أو العاملين في مصنع أو شركة بالنسبة إلى صاحب الشركة..إلخ).

والارتقاء يتطلب من الذين ينشدونه أن يمتلكوا رؤية واضحة ومنطقية مؤطرة بأهداف مرحلية، ووسائل عملية لتنفيذ هذه الرؤية.

وأذكر ولا أنسى أن إحدى المحطات الفارقة في حياتي العملية، وكنت قد تخرجت حديثًا من الجامعة ولا أكاد أعثر على عمل جيد ملائم لتخصصي- هي مقالة قرأتها في إحدى المجلات، وكان خلاصتها أنه في عالم مليء بملايين الموظفين والعمال لكي تحصل على عمل جيد؛ فعليك أن تخرج من التقليدية إلى الاحترافية. فما كان مني إلا أن وضعت خطوات للنهوض بمستواي العلمي في المجال الذي تخصصت فيه، والتزمت بها، وبالفعل أثمرت هذه الخطوات عن تحسن ملحوظ، ووجدت أن فرص العمل وعروضه التي أتيحت لي بعدها صارت أفضل بكثير من ذي قبل، هذا فضلاً عن اكتشافي لبعض نقاط القوة والضعف في إمكاناتي، والتي استفدت من معرفتها فيما بعدُ.

وأريد بالرؤية الواضحة المؤطرة بأهداف مرحلية ووسائل عملية ما تفصيله في النقاط التالية:

1-       تعني الرؤية الواضحة هنا أن يكون هناك غاية أسمى أتطلع إلى بلوغها (وهي في حالة المسلم رضا الله سبحانه وتعالى، والفوز بجنته)، وبالتالي فأنا أخضع جميع أنشطتي وأعمالي وأهدافي وأقوالي في سبيلها (كإتقان العمل والترقي فيه، و بر الوالدين، والإحسان إلى الأقارب والأصدقاء، و تعلم العلم النافع والحصول على أعلى المراتب في علم أو فن معين، و إحقاق الحق والدفاع عنه، و دفع الظلم أو مقاومته، و الزواج وتربية الأبناء..إلخ).

2-       طبعًا ليس حديثنا هنا عن الغاية الأسمى، وإنما سينصب حديثنا هنا عن الخطط والأنشطة المرحلية التي تتوافق مع هذه الغاية، أو على الأقل لا تتعارض معها( وهذه متسعة جدًا).

3-       تعني الرؤية الواضحة تشخيصًا سليمًا للإمكانات والقدرات والطاقات الحقيقية التي نملكها حقًا دون تهويل أو تهوين أو توهم، وملائمة الأهداف- قصيرة أو طويلة المدى- مع ما سبق، مع دراية جيدة بالحاضر، واستشراف المستقبل، واستشفاف مواضع الإحجام والإقدام، بحيث نغدو قادرين على اغتنام الفرص حين تلوح، والتشبث بخير الخيرين، ودفع شر الشرين.

4-       تعني أيضا عدم إهدار الأوقات الثمينة، أو الإمكانات المتاحة، فيما لا طائل وراءه؛ لأن وضوح الأهداف- سواء قريبة المدى أو بعيدة المدى- يجعل المرء قادرًا دائمًا على توظيف الجهود والطاقات والأفكار من أجل بلوغ أهدافه من أقرب طريق وأقومه، وكذا يجعله قادرًا دائمًا على مقاومة كل ما من شأنه تشتيت تركيزه، أو حرفه عن مساره، أو خداعه بغيره بالإغراء أو تحت ظل ضغطٍ ما.

5-       الرؤية الواضحة يمكن أن تتسع لتشمل آخرين لا يحصون عدًا، وقد تضيق لتكون أنانية جدًا تخص الفرد وحده، والرؤية الثانية إذا حققت لصاحبها نفعًا، فإنه يكون مؤقتًا ومَوهُومًا، لكن صاحبها سرعان ما يعاني ويلاتها في العاجلة والآخرة.

6-       الاستعانة في تكوين الرؤية الواضحة بالاستخارة، ثم استشارة أهل الحكمة والخبرة والعلم يعمق الرؤية ويوسعها وينضجها.

7-       وأعني بالتأطير أن نضع إطارًا أو سياجًا مانعًا من تشتيت جهودنا أو بعثرتها أو فقدها، لأن كل هدف (الهدف= خطة+ زمن) بلا وقت محدد لإنجازه، سيكون عرضة للتمديد أو التسويف إلى ما لا نهاية، كما أنه قد يفوت علينا إنجاز ما هو أعظم منه، وهذا ينقلنا إلى النقطة التالية.

8-       لا يعني التأطير أن تكون أهدافنا المرحلية صلبة لا تقبل التغيير، على العكس يجب أن تكون مرنة، فقد يكون أشد الأمور أهمية بعد أسبوع هو أقلها أهمية بعد يومين فقط، وقد يتبين بعد نهاية الهدف المرحلي الأول (أقصد بالهدف المرحلي هنا مثلاً هو خطة لكل ثلاث إلى خمس سنوات) أنك يجب أن تعيد النظر في كل الأهداف المرحلية القادمة، بحسب ما اكتسبت من معلومات وخبرات لم تكن لديك من قبل.

ونستطيع القول إن هذه الرؤية هي التي تمنع أو تحول دون انقضاء سنوات من العمر دون إنجازٍ ما ملموس أو مُدرَك، كما أن هذه الرؤية هي التي تمكن الواحد منا من اختيارات وقرارات أكثر صوابًا في الحاضر؛ لأنه يتخذها وهو ينظر بعين عقله إلى المستقبل الذي ينشده، وليست قرارات مزاجية لا علاقة لها بحاضره أو مستقبله، كما يمكن أن نفهم بوضوح أنه دون هذه الرؤية سنجد في أُمّتنا شبابًا لا يهتمون إلا بالحصول على شهادة ولو بدرجة مقبول وحتى لو بالحد الأدنى من درجاته، كما سنفهم لماذا نجد مئات الآلاف يجلسون على المقاهي لمجرد تزجية الفراغ والتسلي بتوافه الأمور، وسنفهم أيضًا لماذا نجد امرأة تحسَب أنها تُثبت ذاتها إذا خرجت للعمل، في حين أنها لا تحتاج إليه ماديًا، فيما ترفض رفضًا باتًا أن تتفرغ للعناية بشؤون بيتها وزوجها وأبنائها، أو أخريات تفرغن في البيوت لأزواجهن ولكن جُلَّ وقتهن ضائع في مشاهدة المسلسلات والأفلام وخطوط الموضة، أو مكالمات هاتفية هدفُها قتل الوقت لا غير، أو سوى ذلك مما لا يفيدها ولا يفيد غيرها.. ومثل هذا كثير.

إن أحد حواجز التقدم والارتقاء التي أوقفت مسيرة نهضتنا هو بعض ما يردده البعض عن عدم جدوى التخطيط والالتزام به، والتشدق بكلمات مثل: خليها على الله، والمستقبل بيد الله، وهل كان الصحابة يخططون لمستقبلهم؟

فهو كلام لا علاقة له بحقيقة الشرع، ولا يرتضيه أهل العقل السليم، ولا الفكر الواعي، فقد خلط هؤلاء بين الحق والباطل، فصحيح أننا نخليها على الله- ولا نملك غير ذلك مهما خططنا- ولكن أهي بمعنى أن نترك العمل والتخطيط، أم نأخذ بالأسباب ونترك النتائج على الله؟!

صحيح المستقبل بيد الله، لكن أهذا يعني أن أترك أبنائي وبناتي دون تربية وأتوقع أن يصيروا من الصالحين علمًا وخلقًا وإيمانًا، أم أسعى في تربيتهم وتعليمهم مع الدعاء لهم بالصلاح؟

وإذا لم يخطط النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة!  فكيف بنوا دولة الإسلام؟ أم أنها سقطت عليهم من السماء؟ وكيف سادوا الدنيا في أقل من ثلاثين عامًا، ثم استمرت حضارتهم متألقة لأكثر من عشرة قرون؟ هل جاء الناس وقالوا لهم: تعالوا افعلوا بنا ما شئتم، أنتم ناس طيبون، ونريدكم بدلاً من الآخرين؟ أم بذلوا في سبيل ذلك الغالي والنفيس، عطاء وجهادًا وعلمًا وعدلاً وإصلاحًا وتدبيرًا، حتى شهِد لنا العلماء المُنْصِفون من غير ديننا بالسبق والريادة في تلك القرون؟!

إن الوعي المسلم لا يفهم أبدًا من نهي الإسلام عن طول الأمل وكثرة التمني القعود عن طلب الدنيا وتعميرها وإصلاحها، وإنما فهم أنه يجب أن تكون غاية المسلم الأسمى، وأولويته التي لا يتقدم عليها شيء آخر هي: رضا الله، فهي الغاية التي تتمحور حولها كل أهدافه وأنشطته، ومن ثم المبادرة إلى فعل الخيرات، والتوبة النصوح باستمرار؛ لأن الموت يأتي بغتة، دون أن يعني ذلك إطلاقًا ترك الاهتمام والتدبير لأمر المستقبل وتحسين أبعاده.

إن الشرع والعقل يُحتمان على كل من أراد أن يسهم في الارتقاء بنفسه أو أسرته أو مجتمعه أن يخطط لذلك، وإلا كان متواكلاً، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم مع يقينه وثقته بانتصار الدين ونجاح الهجرة؛ خطط لكل منهما تخطيطًا دقيقًا ومفصلاً ما وسعته طاقته، بل واستفرغ الوسع في ذلك، مع ملابسته في كل الأحوال للتوكل على الله (قبل وأثناء وبعد التخطيط والتنفيذ)، طالبًا منه وحده التوفيق والسداد.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- السادات نصر -

11 - رجب - 1431 هـ| 23 - يونيو - 2010




مقال جميل ومفيد بارك الله فيكم

-- محمد حافظ حافظ - مصر

11 - رجب - 1431 هـ| 23 - يونيو - 2010




إنه ليس بغريب على الاستاذ الفاضل / يوسف إسماعيل أن يكتب مثل هذا المقال القيم الشامل الذي يدل على عمق فكر ورؤية ثاقبة ن ودقة تأمل في أحوال أماتنا الإسلامية ، ويكشف عن إخلاص نية ، ونبض قلب يشفق على أمته ، ولا يكتفي بالفرجة عليها وهى تنهار يوما بعد يوم متثلا ذلك في انهيار أبنائها إما بالفشل ، أو اليأس ، أو اللا مبالاة ، وقد جاء المقال سلسا منسابا كالماء الزلال ، ألفاظا وتراكيبا ، وقد تحرر من قيود الصنعة اللفظية ، ركز الكاتب ـ وفقه الله ـ على فكرته ؛ فأجمل وفصل ، وأوضح وبين ، وكشف أبعاد المشكلة ووضع لها حلا ، وتلك سكات المقال ناجح .
الله أسأل أن يكون المقال في ميزان حسنات كاتبه ، وأن ينفع به وبمقاله المسلمين .
محمد حافظ
عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية
عضو اتحاد كتاب مصر

-- بنت عنيزة -

11 - رجب - 1431 هـ| 23 - يونيو - 2010




جزاك الله خيرا ونفع بك الاسلام والمسلمين مقال راااائع

-- كنوز في فلاة - السعودية

12 - رجب - 1431 هـ| 24 - يونيو - 2010




جزاك الله خير نحن بحاجه الى مثل هذه الكلمات.. واتمنى المزيد

-- كمال - مصر

12 - رجب - 1431 هـ| 24 - يونيو - 2010




كلمات من ذهب صيغت بقلم من ماس فصارت جواهر لا مثيل لها.
أحسنت وبارك الله فيك طالما كانت كلماتك لنا سراجًا من نور يضيء الدرب والقلب، وعبيرًا ينعش الروح، ونسيماً من نسائم جنان العلم يحيل الدنيا إلى مكان رائع فيه مكان دائم للخير والعطاء والعمل.

عندما يحدد الانسان هدفه، ويستخدم الوسائل المتاحة لديه لكي يحققه، في هذه اللحظة سوف يعلم انه اصبح له وجود، فبدون الهدف والطموح والتوكل على الله في تحقق ذلك، لا نستطيع أن نقول على هذا الشخص أنه يمتلك مقومات الحياة، فالسعي لتحقق الهدف هو الذي يجعل لك وجود.
جزاك الله خيرا يااستاذنا العزيز على مقالك الرائع وإلى مزيد من التوفيق

-- أحمد عطية - مصر

14 - رجب - 1431 هـ| 26 - يونيو - 2010




أحد أسباب تأخرنا على المستوى الفردي والجماعي أننا ما زلنا عشوائيين في تفكيرنا وتدبيرنا لأمورنا ، من قبيل (سيبها لله!!!) ...
وفي قراءتي للسطور الأولى للمقال خطر على ذهني أمر البطالة والشباب العاطل عن العمل ، ثم وجدت الكاتب قد أشار إلى هؤلاء ، وأنا أرى أن أمثال هؤلاء يتحملون جزءا من المسئولية عن البطالة كما تتحمل الحكومات جزءا آخر منها ؛ يتحمل الشباب جزءا من المسئولية لأن أغلبهم ينتظر أن تمطر السماء عليه ذهبا أو ينام في بيته ثم يحصو والسيارة أمامه والزوجة والشقة .... ولو فتّش كل منا في نفسه أولا وفي سوق العمل ثانيا لوجد ما يناسبه ويستطيع أن يبدع فيه ..

-- ابوخوخة - مصر

14 - رجب - 1431 هـ| 26 - يونيو - 2010




جزاك الله خيرا على هذا المقال الطيب وارجو المضي في هذا الطريق مع شيء من التفصيل وضرب المثال ليتسنى لنا الاستفادة

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...