أمامة بنت الحارث: الكلمة أبقى من صاحبها

وجوه وأعلام
22 - رجب - 1439 هـ| 08 - ابريل - 2018


1

كثيرا ما يحفظ التاريخ لرجل أو امرأة موقفا واحدا، كان له أثر سياسي أو اجتماعي أو تربوي، ويصير الموقف أبقى وأشهر من صاحبه، فلا نعرف الكثير من المعلومات عن صاحب الموقف، كزمن ولادته، أو وفاته، أو الكثير عن طبيعة حياته الشخصية.

 

ومن هؤلاء الذين اشتهرت مواقفهم أكثر من سيرتهم الشخصية، تلك الأعرابية الحكيمة أمامة بنت الحارث، التي أبقت وصيتها لابنتها عند زوجها: سيرتها بين الأجيال من مختلف العصور والأجيال؛ لما فيها من إصابة واقعية لجوهر الحياة الزوجية، وبناء الأسرة الناجحة.

 

وأمامة بنت الحارث: هي إحدى فصيحات العرب في الجاهلية، وهي زوجة عوف بن محلم الشيباني، أحد أشراف العرب، وقد ضرب المثل بوفائه، فقيل: أوفى من عوف بن محلم، وكانت تضرب له قبة في سوق عكاظ، وقد مات سنة 40 قبل الهجرة النبوية الشريفة.

 

وتذكر المصادر التاريخية: أن أمامة بنت الحارث أقبلت على ابنتها توصيها حين قرر الحارث بن عمرو الكندي، الزواج من ابنتها.

ويذكر المؤرخون: أن الحارث بن عمرو الكندي كان من ملوك اليمن، وفد إلى امرأة من قومه، ذات عقل وبيان وأدب، يقال لها عصام، فقال: إنه بلغني عن بنت عوف جمال وكمال، فاذهبي واعلمي لي عليها.

 

فانطلقت حتى دخلت على أمها، فأخبرتها بما جاءت به، وإذ أمها كأنها خاذل من الظباء، وحولها بنات لها كأنهن شوادن الغزلان، والخاذل من الظباء: يقصد به أن الأم تفرغت لبناتها، وأحاطتهن بالرعاية، رغن أنهن شوادن، أي كالغزلات التي لم تعد تحتاج رعاية أمهاتها.

 

  وحين علمت أمامة الخبر أرسلت إلى ابنتها. فقالت: يا بنية إن هذه خالتك، أتتك لتنظر إلى بعض شأنك، فاخرجي إليها، ولا تستتري عنها بشيء، وناطقيها فيما استنطقتك فيه، فدخلت عليها، ثم خرجت من عندها. وهي تقول: ترك الخداع من كشف القناع، فذهبت هذه الجملة مثلا.

 

فلما ذهبت عصام إلى الحارث، وأخبرته بما رأته من الفتاة بالتفصيل، فبعث الحارث إلى أبيها فخطبها وتزوجها، وبعث إليها من الصداق بمثل مهور نساء الملوك، مائة ألف درهم، وألف من الإبل، فلما حان أن تحمل إليه، دخلت أمها إليها لتوصيها.

 

فقالت لها: أي بنية، إنه لو استغنت المرأة عن زوجها بغنى أبويها، وشدة حاجتها إليه لكنت أغنى الناس عن الزوج، ولكن للرجال خلق النساء، كما لهن خلق الرجال.

 

أي بنية، إنك فارقت الجو الذي منه خرجت، والوكر الذي فيه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فأصبح بملكه عليك: ملكا، فكوني له أمة يكن لك عبدا، واحفظي عني خصالا عشرا تكن لك دركا وذخرا.

 

فأما الأولى والثانية: فالمعاشرة له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة، فإن في القناعة راحة القلب، وحسن السمع والطاعة رأفة الرب.

 

وأما الثالثة والرابعة: فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشم أنفه إلا أطيب ريح، واعلمي أي بنية أن الماء أطيب الطيب المفقود، وأن الكحل أحسن الحسن الموجود.

 

وأما الخامسة والسادسة: فالتعهد لوقت طعامه، والهدوء عند منامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة.

 

وأما السابعة والثامنة: فالاحتفاظ بماله، والرعاية على حشمه وعياله، فإن الاحتفاظ بالمال من حسن التقدير، والرعاية على الحشم والعيال من حسن التدبير.

 

وأما التاسعة والعاشرة: فلا تفشي له سرا، ولا تعصي له أمرا، فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره: أوغرت صدره، واتقي الفرح لديه إن كان ترحا، والاكتئاب إذا كان فرحا، فإن الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، واعلمي أنك لن تصلي إلى ذلك منه، حتى تؤثري هواه على هواك، ورضاه على رضاك فيما أحببت أو كرهت، والله يخير لك بخيرته، ويصنع لك برحمته.

وتذكر المصادر أن الفتاة ـ ابنة أمامة بنت الحارث ـ تزوجت الملك اليمني الحارث بن عمرو الكندي، وولدت له سبعة أولاد كلهم كانوا ملوكا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

ـ أعلام النساء.

ـ موسوعة ويكبيديا.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...