أمهات من غزة : " انتزاع فرحة العيد واجب علينا " !!

عالم الأسرة » رحالة
03 - شوال - 1431 هـ| 12 - سبتمبر - 2010


1

ألقى الحصار الذي تفرضه دولة الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية منذ ثلاث سنوات والحالة الاقتصادية والإنسانية المأساوية التي يعيشها الفلسطينيون بلا عمل ولا دخل وبمزيد من آلام الفقر والبطالة، بظلالهما على استعدادات الأسر الفلسطينية لعيد الفطر السعيد، ففي غزة المحاصرة غابت مظاهر العيد السعيد واختفت من الشوارع الزينات التقليدية، وحدهم الأطفال من ينعمون بمظاهر العيد يحتفون به على طريقتهم الخاصة بالذهاب إلى المراجيح والخروج إلى المنتزهات برقفة أصدقائهم وإطلاق الألعاب النارية لتزين سماء بيوتهم وتقتل صمت المكان من حولهم.

" لها أون لاين " عبر سطور التقرير التالي نرصد أجواء العيد في غزة المحاصرة واجتهاد الأمهات نبع المحبة والحنان في بث تفاصيل السعادة والفرح بالعيد في قلوب أطفالهنّ ومن يغلو على قلوبهنَّ بمزيد من الصبر والعطاء وتدبير الأمور بأقل الإمكانيات المتاحة، تابع معنا.

بين بسمة ودمعة

في القلوب نبت غصن من أنين بافتقاد مظاهر العيد السعيد لكنه سرعان ما توارى ونبت آخر أقوى منه غضن من فرح باجتهاد الأم وإصرارها على أن تلون فرحة العيد ثغور أطفالها وتمدهم بابتسامات العيد بالإمكانيات الشحيحة المتاحة لديها وفق حالة البطالة التي يعانيها الزوج وما أثمرته من حالة فقر معها لم تتمكن من قبل تلبية احتياجاتهم إلا الضرورية منها، تقول السيدة:" لا شك أن شهر رمضان شهر خير وبركة وفيه تزيد الأرزاق خاصة المساعدات المالية التي تأتي ممن آتاهم الله بسطةً في الرزق من أبناء عائلتها سواء أقارب في الخارج أو أشقاء يرون حاجتها ويعمدون إلى المساعدة بما أمكنهم"، فقد اعتادت السيدة على مدار سنوات فقرها المؤرخة بتاريخ الحصار على قطاع غزة أن تتلقى مساعدة مالية من أحد أقاربها بإحدى دول الخليج مرة واحدة في العام، لكنها لا تصارح بها أحداً إلا حين الحصول عليها وأسبابها في ذلك أن تدخر مفاجأة سارة لأبنائها الذين ما إن يشهدوا أصدقائهم الميسور حالهم قليلاً يتنقلون مع آبائهم في الأسواق لشراء احتياجات العيد من ملابس جديدة وحلويات وألعاب حتى تتألم قلوبهم فتعمد إلى مفاجأتهم بشراء الملابس الجديدة لهم فيتساووا مع أقرانهم ويسعدون مثلهم،أما السبب الآخر فأنها لا تضمن وصولها قبل موسم العيد فتخشى أن تخبرهم بها ولا تأتي أو تتأخر فينعكس ذلك ألماً مضاعفاً على قلوبهم، يقول أحد أبنائها في العاشرة من عمره:" في كل مرة يخبرنا والدي أن العيد لن يحمل في طياته الفرحة باللباس الجديد والألعاب والنزهات لكن والدتي تفاجئنا بغير ذلك تماماً ويصبح العيد أسعد من سابقه بفضل تدبيرها وتخطيطها" وتتجاذب أطراف الحديث والدته التي تؤكد أنها ما تفعل ذلك إلا لتشهد الابتسامة تزين ثغور أبنائها الصغار.

ملابس قديمة جديدة

وإن كانت تلك الأم تستعين بمساعدة القريب الغني لها فتدخرها وتبرزها في أيام العيد لتزرع البسمة والفرحة في عيون وقلوب أبنائها فهذه أم فارس تستعين بالجدة لتخيط بأناملها الحنونة ثياب العيد لفتيات ابنتها الثلاث، تؤكد أن أوضاعها الاقتصادية صعبة للغاية ولا يمكنها أن تشتري قطعة ثياب واحدة لفتياتها اللاتي تتراوح أعمارهن بين العاشرة والسادسة بسبب ارتفاع أسعارها وحاجتها للنقود لتسد احتياجات أخرى كتوفير الغذاء في ظل هجران زوجها لها منذ سنوات فلا تعرف سبيلاً للوصول إليه ليتحمل معها شيئاً من آلام الفقر والحاجة، تؤكد السيدة أنها لا تمتلك من مقومات العمل شيئاً إلا موهبة التطريز تنكفئ عليها لتأتي بقوت طفلاتها الثلاث، لكن الحصار المفروض على القطاع أفضى بقطع رزقها مجدداً نتيجة انعدام الخامات، وجوَّع أطفالها وغيَّب ابتسامات وجوههم، فما استطاعت إلا أن تجتهد وتحارب من أجل أن توفر لهم بعضاً من احتياجاتهم الأساسية تطرز المفروشات والثوب الفلاحي وتبيعه وتأكل وفتياتها من ريعه، أما المناسبات فلا طاقة لها بتوفير احتياجاتها خاصة الأعياد لكنها تجتهد فقط لتزرع الابتسامة في وجوه بناتها، في هذا العيد ومع انهيار وضعها الاقتصادي بعد الحرب لم تملك إلا أن تأتي بثياب طفلاتها القديمة تجددها بنسج أشكال مطرزة على أقمشتها فتبدو بحلة جديدة أجمل وأبهى مما كانت عليه فتسعد الطفلات بها ويزاد فخرهن بها حين يسألهم الأهل والجيران من أين لكم هذه الثياب الأنيقة فيردون:"من صنع الحبيبة الغالية" تقول الأم أنها تبدأ بإعداد الثياب مع بداية شهر رمضان المبارك وما إن يأتي العيد حتى تكون جاهزة فيرتدينها وتخرجن للهو واللعب والابتسامة تشرق في وجوههن كقمر المساء في ليلة اكتماله بدراً.

تآلف القلوب

ولا يغيب مشهد التآلف والتراحم عن مظاهر العيد في الأسر الفلسطينية فتجد الغني يفيض على المقتر مما آتاه الله من فضله في إطار الصدقات وفعل الخيرات فيرسم البسمة على شفاه أطفال خلت جيوب آبائهم من أية أموال يشترون بها حاجات العيد لأبنائهم.

أم عمر خطف الموت شقيقها بعد معاناة طويلة مع المرض وضاقت تفاصيل الحياة بما رحبت على أبنائه وزوجته فلم يترك لهم الأب شيئاً يقتاتون منه إذ كان عاطلاً عن العمل وكما أنهك المرض جسده أتى على مدخراته المالية علاجات وأدوية لم تكن إلا مجرد مسكنات حتى أذن الله بقبض روحه إليه، تؤكد السيدة أن الله منَّ عليها وزوجها ببسطة في الرزق فما استطاعت أن تترك أبناء شقيقها في أول عيد دون أن تحتضنهم وتمنحهم بعضاً مما آتاها الله من فضله، قبل أيام من حلول العدي انتحت إلى السوق وكانت تفطن إلى أحجام أبناء شقيقها وأذواقهم جاءت لهم بالملابس والألعاب والحلويات علّها تدخل البسمة إلى قلوبهم، حملتها من شمال القطاع إلى جنوبه وأهدتهم إياها فكان لها وقع السحر خاصة على الصغار الذين طالما سألوا أمهم عن وقت ولوجهم للسوق لتشتري لهم ملابس العيد وألعابه كما أبناء الجيران ولم تجبهم، انهالوا بالقبلات على وجنتي العمة وبادلتهم إياها مغموسة بالدموع.

عيد بأقل الإمكانيات

ليس السعادة بتفاصيل العيد ترتسم على الوجوه بمشاهد التبزير هنا وهناك بل الاقصاد يجعل تفاصيلها أكثر  ابتهاجاً وسعادةً في قلوب الأسر المقترة والفقيرة.

"علي" طالما طلب من والدته أن تصنع له كعك العيد وتمده بالعيدية ليشترى الألعاب ويخرج في نزهة مع أبناء الجيران والأصدقاء لكنها لا تملك حولاً ولا قوة فبالكاد تعيش السيدة وابنتيها المعاقتين بالإضافة إلى ثلاث ذكور على المساعدات الإنسانية التي توزعها شهرياً وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، تؤكد السيدة أنها على مدار شهرين تقتصد في مصروف البيت من أجل توفير ثمن بضعة كيلوات من التمر تصنع به الكعك "لعلي"، وتشير إلى أنها استطاعت توفير بعض مكوناته كالزيت والدقيق إذ حصلت عليه من كابونة الوكالة التي تسلمتها قبل أيام بينما الغاز ستستعيض به بالفرن الطيني الخاص بالجارة أم محمود أخبرتها أنها على استعداد لخبز الكعك لها في فرنها، تقول أحاول أن أرسم الابتسامة على وجه ابني ففي العام الماضي طلب الكعك لكنى لم أستطع أن أصنعه بسبب وضعي الاقتصادي، مشيرة أنه لم يطرأ عليه أي تحسن ولكن لم تملك رد طلب علي للعام الثاني أرادت أن تصنعه بأقل التكاليف وبالإمكانيات المتاحة لديها.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


ميرفت عوف

صحافية تعيش في قطاع غزة، مهتمة بشئون المرأة، وكتابة التقارير الاجتماعية والإنسانية، عملت مع عدة الصحف الفلسطينية والعربية.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...