أنا أقدر، أنا أستطيع!!

لذة الانتصار على النفس..

دعوة وتربية
23 - جماد أول - 1441 هـ| 19 - يناير - 2020


1

يجب أن أنتصر على نفسي.. ولكن، كيف؟

حين ينتصر جيش على آخر في إحدى المعارك، مفهوم أن هناك جيشا منتصرا وآخر مهزوما.. لكن، حين أنتصر أنا على نفسي، تُرى، من يكون المنتصر، ومن يكون المهزوم؟

الحقيقة أن النفس تشتمل على المنطق (متمثلا في العقل) والعاطفة (متمثلة في الوجدان) والسلوك ينتج عن الجدل بين المنطق والعاطفة، أي بين الأفكار والمشاعر، فإذا تحكم المنطق في العاطفة انتصرت النفس، وإذا حصل العكس شعرت النفس بالهزيمة.

وأقول تحكم المنطق في العاطفة، ولا أقول قمع المنطق العاطفة أو كبتها؟ لأن قمعها أو كبتها هو هزيمة للنفس من نوع آخر.

أجرى عالم النفس الأمريكي (والتر ميشيل) اختبارا لاكتشاف قوة ضبط النفس عند الأطفال من سن 4 إلى 6 سنوات وهو الاختبار الشهير الذي عرف باسم (اختبار مارشميلو) والمارشميلو هي نوع من الحلوى لمن لا يعرفها يمكنه رؤيتها في (صور جوجل) وهي حلوى محببة لمعظم الأطفال في العالم، وقد أجريت التجربة على أطفال في هذا العمر الصغير حتى يتصرفوا على سجيتهم، لاكتشاف النضج المبكر الذي يتميز به بعض الأطفال عن غيرهم.

فكرة الاختبار أن يقدم أحد المعلمين للطفل قطعة من المارشميلو أو من الكعك أو البسكويت المملح حسب رغبة الطفل، ويقول له: بإمكانك أكلها الآن، ولكن لو صبرت ربع ساعة، سوف تكافأ بواحدة إضافية، ويترك الطفل بمفرده في غرفة مع الحلوى المحببة لديه.

أكثر الأطفال الذين بلغ عددهم 600 طفل حاولوا الصمود لعدة دقائق لكنهم عجزوا، وأقل من ثلث هذا العدد هم من نجحوا في الاختبار.

قام والتر ميشيل وفريقه بمتابعة هؤلاء الأطفال الناجحين وكذلك الراسبين في مراحل عمرهم المختلفة، واستمرت التجربة لأكثر من خمسين عاما من 1960 حتى تاريخ إصدار الكتاب (اختبار مارشميلو) في عام 2014 (تخيلوا معي تجربة تستمر 50 عاما، كم هم جادون هؤلاء الناس!)

وكانت نتيجة التجربة أن الأطفال الذين ضعفت إرادتهم كان (أغلبهم) الأكثر عرضة للمشكلات في حياتهم سواء كانت حياتهم العملية أو الزوجية، كانوا الأكثر عرضة للإدمان والانحرافات السلوكية والسمنة وعدم تحمل الآخرين، كما كانوا الأكثر استدانة، والأكثر هروبا من المواقف الاجتماعية، والأقل في تحمل المسؤولية، وكانت ثقتهم بأنفسهم منخفضة.

أما الأطفال الناجحون في الاختبار الذين قدروا وهم في سن صغيرة أن يتحكموا في مشاعرهم ويروضوا إرادتهم، كان (أغلبهم) الأكثر نجاحا في دراستهم وفي حياتهم العملية، كانوا يسألون أسئلة ذكية، ويعلقون تعليقات ذكية، ويبادرون في تقديم المقترحات، وينتقدون كثيرا، ولديهم طموح ودافعية، وثقة بالنفس أكبر، ويتمتعون بالشجاعة والجرأة في التعبير، والقدرة على مواجهة التحديات، وكانوا الأكثر قدرة على التحكم في رغباتهم.

معظم الذين أطالوا النظر في قطعة الحلوى هم من ضعفوا و سقطوا، أما الذين أطالوا التركيز والخيال في لحظة الحصول على قطعتي الحلوى، فهم الأطفال الناضجون الذين نمت لديهم مهارة (القدرة على تأجيل الاستمتاع) وهي مهارة نفسية من أقوى المهارات التي يتمتع بها الأشخاص الأقوياء في الحياة.

فمنهم من أدار ظهره للحلوى ومنهم من أغمض عينيه ومنهم من أخذ يردد بعض المحفوظات لديه، ومنهم من نزل تحت المقعد، ومنهم من أخذ يدور في الغرفة يفكر في أشياء أخرى، كل ذلك يفعلونه بالسليقة دون تصنع، لأنهم وضعوا هدفا أمامهم أن يحصلوا على قطعتي الحلوى.

إن كل ما صنعه الأطفال الناضجون، يسمونه في علم النفس (الحيل النفسية الدفاعية) مثل حيلة التسامي، وحيلة التأجيل، وحيلة تشتيت الانتباه، وهي حيل نفسية إيجابية تلجأ إليها النفس، حتى لا تضعف تحت ضغط الإغراء.

لا تتخيلوا فرحة الأطفال الذين نجحوا في الاختبار، لقد ذاقوا لذة هي أمتع بكثير من لذة الحلوى، ربما كانوا لا يعرفون اسم هذه اللذة، لكنهم بكل تأكيد شعروا بحلاوتها، التي تتفوق بمراحل على حلاوة المارشميلو.. إنها لذة الانتصار على النفس!

هذا الاختبار على بساطته، و بالرغم مما وجه له من انتقادات، بسبب انحسار الشريحة المجرى عليها الاختبار، إلا أنه يكشف جزءا حقيقيا من الواقع الذي نعيشه، وهو الارتباط بالأشياء كارتباط الأطفال بقطعة المارشميلو.

الهاتف، المحادثات، الخروج مع الأصحاب، متابعة المباريات، بعض المأكولات، بعض المشروبات، أو غيرها من الأشياء التي نعتقد أنه لا يمكن الاستغناء عنها، (إنه المارشميلو الذي لا نستطيع مقاومته)

يمكنك أن تنفذ هذا الاختبار على أولادك لتدربهم على مهارة القدرة على تأجيل الاستمتاع، كما يمكنك أن تنفذه على نفسك أيضا لتدرب نفسك على التحرر من أسر الأشياء لك ولتكتشف الحجم الحقيقي لقدرتك على ضبط النفس والتحكم في المشاعر.

جرب أن تحرم نفسك من هاتفك عددا من الأيام ولا تستخدمه إلا في الاتصال الضروري، وانظر هل تقدر؟

جرب أن تقاطع الماسنجر أو الواتس أو الأنستجرام أو غيرها من برامج الاتصال، وانظر هل تقدر؟

جرب أن تغلق التلفاز أو صفحة الفيس أو التويتر فترة، وتقضي أيامك بدونها، وانظر هل تقدر؟

جرب أن تتوقف عن سماع أو مشاهدة الأشياء المحببة لديك بعض الأيام، وانظر هل تقدر؟

جرب أن تمتنع عن الوجبات السريعة التي تصيب الجسم بالمشكلات، وانظر هل تقدر؟

جرب أن تتوقف عن شرب المياه الغازية أو القهوة أو الشاي أو ما شابه، وانظر هل تقدر؟

جرب أن تقلل من السكر في مشروباتك أو تمتنع عنه بالكامل، وانظر هل تقدر؟

جرب أن تمنع نفسك من مشاهدة مباراة كرة لها أهمية كبيرة عندك.. وانظر هل تقدر؟

جرب أن تكثر من أكل الخضروات وتقتصر على الأغذية الصحية، وانظر هل تقدر؟

جرب أن تمشي ساعة كل يوم، أو تمارس بعض الرياضات بانتظام، وانظر هل تقدر؟

جرب أن تقلع عن التدخين أو الشيشة أو ما شابه ذلك! وانظر فهل تقدر؟

الواقع أنك تقدر، والحقيقة أنك تستطيع..

بشرط أن تقرر، وأن تركز كل تفكيرك على (لذة الانتصار على النفس)

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


إبراهيم جمعة

ل. آداب قسم اللغة العربية واللغات الشرقية

ليسانس آداب قسم اللغة العربية جامعة الأسكندرية سنة 1993
مرشد تربوي وتعليمي سابق بشركة الفرسان التعليمية
محرر صحفي ومشرف محور الأسرة والطفولة بموقع لها أون لاين
له عدد من المقالات الاجتماعية والحقائب التدريبية في مجال العلاقات الزوجية وتربية الأبناء


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...