أنس الباشا: غياب المهرج زارع الأمن والأمل في قلوب أطفال حلب!

وجوه وأعلام
06 - ربيع أول - 1438 هـ| 05 - ديسمبر - 2016


أنس الباشا: غياب المهرج زارع الأمن والأمل في قلوب أطفال حلب!

اختار الشاب الحلبي العشريني "أنس الباشا" ـ رحمه الله ـ مهمة من أعقد المهمات في الدفاع عن مدينة حلب، التي اجتمع عليها وحوش العالم ينهشون أحجارها، قبل أن ينهشوا إنسانها وشجرها!

 

ركز الشاب المجاهد أنس الباشا ـ رحمه الله ـ على حماية الأطفال؛ الفئة الأكثر تضررا من ويلات الحروب، وحاول أن يجعل من نفسه ساترا بينهم وبين الهلع والخوف والأزمات النفسية، فأخذ دور المهرج الذي يبالغ في وضع الألوان والأصباغ على وجهه ليضحكهم وينزع الخوف من قلوبهم، أو يخفف حدته على الأقل!

 

رفض الخروج من المدينة ـ التي يراد استئصال أهل السنة منها ـ مع والديه، وأصر على الانضمام لشباب المتطوعين للدفاع عن المدينة، والبقاء فيها لغرس الأمن في نفوس الأطفال، وزرع الأمل بإمكانية عودته الحياة بشكل طبيعي أفضل من السابق، بعد تحررها من البطش الذي تتعرض له، تحت دوي قصف قوات النظام وقوات الاحتلال الروسي.

 

آمن آنس بمهمته وصدقها إلى أبعد مدى؛ فلم يتوقف عند حد رسم تفاصيل حياة يومية طبيعية وعادية لأطفال المدارس، بل تزوج أيضا قبل شهرين ليؤكد استمرارية الحياة، وسيرها الاعتيادي بين الأسرة والأطفال والمدرسة كبقية الناس في كل الدنيا!

 

عمل أنس ـ 24 عاما ـ مديرًا لمركز تابع لمؤسسة "فضاء الأمل" المتخصصة في توفير الدعم النفسي والمعنوي والمادي لـ 12 مدرسة، و4 جمعيات، وأكثر من 365 طفلًا، في أحياء حلب المحاصرة.

 

 ثم تطوع أنس في جمعية "فسحة أمل" ليكون في خدمة بيئته الصغيرة البريئة دون أي مقابل، وكان هو وزملاؤه يعملون في هذه الجمعية في ضغط نفسي غير مسبوق. كانوا يتدربون على دعم الأولاد نفسيًا متناسين من خلال هذا العمل التطوعي النبيل خوفهم من كل ما يحيطهم. وهم يتعاملون يوميا مع أطفال يعيشون هول اليتم وألم شديد ينتابهم بعد فقدان أهلهم.

 

نسي أنس نفسه، وكانت نفوس وقلوب أهل حلب حاضرة في قلبه، ولأنه يؤمن بأن البسمة على ضعفها إلا أنها قد تغير نفوسا وترفع رؤوسا، وأن قضيته الإنسانية التي يحارب من أجلها أهم بكثير من نفسه، لهذا رفض مغادرة مدينته مفضلًا البقاء فيها، بعدما اضطرت عائلته للرحيل قبيل فرض الحصار الجائر على حلب في شهر يوليو الماضي، ثم تزوج قبل شهرين فقط، وبقيت زوجته من بعده وحيدة مع بقية المدنيين المحاصرين شرقي حلب.

 

لم يكن أنس مهرجا بالمعنى المباشر لهذه المهنة؛ بل كان جنديًا يطارد القبح ويصنع البهجة، كان محاربًا لرصاصات وصواريخ التحالف الروسي السوري بابتسامة صافية ومكياج مبهج للأطفال، لقد استقر في نفسه أن العجز عن دفع الظلم والقهر عجز داخلي، وأن من يحمل بين جنبيه نفسا حرة لن يعيقه ملء الأرض من نفوس قذرة متسلطة طاغية.

 

استطاع أنس أن يقهر خوفه وقلقه الدائم على أهله وزوجته، التي ما مازجت روحه روحها إلا أياما معدودات، واستطاع أن يحول خوفه إلى أمن، ووجعه إلى بهجة، ولك أن تتخيل رجلًا بعيدا عن عائلته، يحارب الوجع وحده كيف يكون حاله، لك أن تتخيل حجم المعاناة التي تغشى روحه، والتي لم تقهر بسمته الصافية، وكان يقول: "نحن نحاول رسم الابتسامة على وجوه الأطفال في الجزء المحرَّر من حلب".

 

ويصفه جاره باسم الأيوبي: "لقد كان رجلًا هادئًا غير ملفت للنظر، يَنْسَلُّ فقط داخل زيِّ المهرِّج من أجل إسعاد الأطفال" ويضيف: "في حلب يعرفه الجميع. والأطفال بصورة خاصة يحبُّونه كثيرًا".

وفي الهجمة الأخيرة على حلب التي راح ضحيتها عشرات القتلى ومئات الجرحى، استشهد الشاب أنس الباشا، تحت غارة جوية نفذتها القوات الروسية والسورية الآثمة. رحم الله ـ تعالى ـ الشاب أنس الباشا ورحم الله كل شهداء الشام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

ـ وكالة الأنباء الألمانية.

ـ ساسة بوست.

ـ صحيفة الحياة.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...