أوهام الإعلام الخشبي (1ـ2)

كتاب لها
14 - ذو القعدة - 1437 هـ| 18 - أغسطس - 2016


1

الإعلام «رسالة» قبل أن يكون وسيلة تربح.

 «قيمة» قبل أن يقوّم بالدينار والدرهم.

 ومن هذا المنطلق يتحدد مسار «الإعلام الهادف» كمسار تنويري وتربوي وتثقيفي.

 إن الإعلام النظيف برئ من البروباجندا الإعلامية الخداعة، والأهداف الربحية الدنيئة، تلك التي تستقطب جمهور المتلقين عبر الإثارة ولو لم تكن هادفة، والدجل البعيد عن الواقع، والغريب الذي يجافي حياة الناس، والشاذ الذي لا يقاس عليه.  همته في الزخم الإعلامي بأي طريقة كانت. زخما تضليلا أو تحريضيا أو غوغائيا. «إعلام خشبي» أو إعلام اللحظة التي لا تدوم كثيرا، لأن أصدق ما يوصف به أنه غثاء {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ} [الرعد:17].

 

• «الإعلام الخشبي» يوهم نفسه أنه إعلام الواقع (بدون رتوش)!!، حيث يقوم ببث ونقل حي ومباشر لأحداث واقعية، ويتطرق لقضايا حساسة -كان أفضل له معالجتها بطريقة بعيدة عن الأضواء والكاميرات-، فتارة يستضيف ملحدا، أو مدمنا، أو سحاقية، أو مرتدا، أو غيرها من القاذورات المجتمعية التي يندر وجودها في المجتمعات الإسلامية ولله الحمد والمنة، وهذا من شأنه أن يثير فضول المشاهد، ويستقطب هذا عددا كبيرا من المتابعين، وبالتالي ترتفع فاتورة الإعلانات تبعا لارتفاع المشاهدات، لكن ما خفي كان أعظم، فهذه الطريقة الإعلامية الوضيعة تجرئ الناس على المنكرات، وتكشف تفاصيل تعاطيها، وتهون أمر القيم في النفوس، وتهيئ الآذان لسماع عبارات الإلحاد والمجون، وتفتح أبواب الشهرة الرخيصة لطالبيها.

 

• «الإعلام الخشبي» يوهم نفسه أنه إعلام إنساني، حيث يعرض معاناة فقير أو عاطل أو يتيم أو مريض. وينتهي البرنامج بتذليل مشكلته بمساعدة أهل الخير، سواء بمبلغ من المال، أو الالتحاق بوظيفة، أو إعطائه تصريح علاج مجاني أو جهاز عروس. كل هذا وسط دموع صاحب المأساة، وتعاطف المشاهدين، وكأن صاحب المشكلة هو الأوحد في المجتمع، رغم أن الجميع يعرف أن من أمثاله ألوف مؤلفة، بل منهم من يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، وأن علاج مشكلة هؤلاء لابد أن تكون بعمل مؤسسي، منظم، عام وشامل، دائم، متجدد، ومستوعب كل ما يطرأ من هذه الحالات والنماذج.

 

إن توفير حل سحري فوري لأحد الفقراء، أو جمعه بأحد المسؤولين ليستمع إلى شكواه، لا يمكن أن يكون حلاً لمشكلة ألوف من البشر والعائلات الذين لا يعلم بحالهم سوى الله عز وجل، والذين لا يملكون حتى مسؤولين يبثونهم شكواهم. فمن لمثل هؤلاء المساكين في مثل هذه الحالة؟      

تقول (د. نهى قاطرجي): وفي هذا تشويه صورة الفقير والتشديد على إبراز ذله وهوانه وشدة حاجته. حيث تحرص كاميرات التصوير على عدم السماح لأية دمعة بالسقوط إلى الأرض دون التقاطها وتصويرها بالصورة البطيئة، كي يساعد هذا المشهد على تأجيج مشاعر المشاهد من جهة، وإعطاء المحسنين «المعلنين» حقهم في الوقت المخصص للإعلان من جهة أخرى، وهكذا ينتهي البرنامج، وقد أصبح هذا الفقير المستور أشهر إنسان في البلد، بل وفي العالم، يحسده قرناؤه ويفتخر بانتصاراته. وهذا الأمر حرمه الإسلام عندما حرم التشهير بالناس، وجعل أفضل الثواب على صدقة السر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدقة السر تطفئ غضب الرب» [رواه الطبراني، وحسنه الألباني في صحيح الجامع:3759]"

 

وإلى لقاء جديد، ونستكمل في الحلقة القادمة بإذن الله.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...