أوهام الإعلام الخشبي (2ـ2)

كتاب لها
21 - ذو القعدة - 1437 هـ| 25 - أغسطس - 2016


1

نستأنف حديثنا الذي بدأناه في الحلقة السابقة الذي تحدثنا فيه عن صفات الإعلام الخشبي.

 

«الإعلام الخشبي» يوهم نفسه أنه إعلام شعبي جماهيري، لكن في حقيقة الأمر هو يتبنى سياسة الدعاية الجوفاء، أو البروباجندا الإعلامية التي هي باختصار: محاولة لإقناع الآخرين في قبول معتقد معين، أو فكرة محددة، بدون إعطاء أي دليل ذاتي، أو أرضية منطقية لقبوله، وهي وسيلة مرتبطة إلى حد كبير بالأكاذيب، والتكرار، وتعدد المنابر الإعلامية، واستخدام الاستمالات العاطفية، وتجاهل لغة المنطق والعلم والدليل المقنع.

كالترويج بأن النقاب عادة يهودية، وليس عبادة ربانية، والاحتفاء بذكرى وفاة الفنانين، وتجاهل سير العلماء والمصلحين، وترويج برامج المسابقات والمواهب الفنية، وغض الطرف عن تجارب النجاح والكفاح. والكثير من أمثال هذه القضايا الشوهاء التي تستعصي على الحصر.

إن دهاقنة الإعلام، وكثير من الموصوفين زوراً بالمثقفين؛ يمثلون فراعنة هذا العصر في مجال الكذب والافتراء وتزوير الحقائق؛ لفرض مذاهبهم الضيقة، وتمرير أفكارهم المنحرفة، وصنع الرموز المزورة، وتجاهل العظماء الذين يمثلون حقيقة الأمة ونبضها وثقافتها وفكرها.

كما أن كثيرا من الاستوديوهات العربية والعالمية لا يكاد يلتقط فيها المنتجون والمخرجون والممثلون أنفاسهم، وهم يلهثون لتقديم المزيد من الإسفاف الخُلقي المهين للجماهير البائسة، اللاهثة هي الأخرى خلف شهواتها وملذاتها العاجلة!

«الإعلام الخشبي» يوهم نفسه أنه إعلام المواكبة والموائمة لأحوال جمهوره، ويكفي للرد على هذا الوهم استعراض حال أغلب إعلامنا في رمضان، فحالة الاستنفار الإعلامي في رمضان، بل والتجهيز له قبله بشهور مديدة، تتناقض تماما مع طبيعة الوجبة الإعلامية المفترض تقديمها في هذا الشهر الإيماني الكريم؛ مما يثير حولها الكثير من الشبهات والتساؤلات. جيوش من الفنانين والفنانات مجندة للمسلسلات والفوازير والسهرات الرمضانية والذكريات الفنية، وبرامج الطبخ، وفقرات اللهو والكوميديا، حتى المسلسلات الدينية والتاريخية يقوم بأدوارها ثلة من الفنانين الذين اشتهروا بالعهر والفجور، هذا مع غياب شبه تام للمشايخ والعلماء، فاختفى كل ما هو ديني وهيمن الدنيوي، قال تعالى: {وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً} [النساء:27]

وفي المقابل نجد حفاوة إعلامية بأعياد الكريسماس، وشم النسيم وعيد الأم والحب الفالنتين، ولا يكاد يذكر خبر عن يوم عاشوراء أو الأشهر الحرم أو أيام العشر من ذي الحجة. إنها المواكبة الموجهة والمغرضة والانتقائية لصالح ترويج عادات وتقاليد غربية، والتلاعب بالنسيج الاجتماعي والثقافي للناس، وتهميش هوية الأمة العربية والإسلامية.        

«الإعلام الخشبي» يوهم نفسه أنه إعلام المرأة العصرية، والمتبني لقضاياها ـ على غير تفويض منها-، رغم أنه في حقيقة الأمر يتبنى أجندات غربية وخطط منظمات دولية هدفها مسخ المرأة المعاصرة عبر بوق «الحرية»، وفي سبيل ذلك نجد تفخيم إعلامي لنموذج المرأة: المتحررة، المتعلمة، الذكية، الأنيقة (أي المتبرجة) العاملة بل المتألقة في عملها (من أمثال الفنانة الحساسة، والضابطة الجريئة)، التي ترفض الخضوع لسلطة الرجل، والتي تطالب بتغيير القوانين التي لا تتناسب مع طموحاتها وقدراتها، وخاصة تعديل الأحكام الشرعية المتعلقة بالتعدد والنفقة والحضانة. في المقابل تشويه لصورة ربة البيت التي تبدو: جاهلة، ساذجة، مغلقة، منقادة لسلطة الرجل، لايهمها في هذه الدنيا إلا بيتها ومطبخها وعائلتها، ولا تفهم شيئاً عن حقوق المرأة، ولا الحياة العصرية.

فمتى يفيق هذا الإعلام الخشبي من غفوته، ويسأل نفسه: ماذا قدم للمرأة المقهورة أو المظلومة؟ وماذا عمل من أجل إنصاف شريحة المطلقات والأرامل؟ وما هي برامجه في مواجهة شبح العنوسة؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه إلا دعوة للسفور والاختلاط أكثر من دعوة لإنصاف المستضعفات والمنكوبات.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...