أين الإسلام في هذا الركام.. فضيلة الشيخ "محمد الغزالي" * لها أون لاين - موقع المرأة العربية

أين الإسلام في هذا الركام.. فضيلة الشيخ "محمد الغزالي" *

دراسات وتقارير » بحوث ودراسات
11 - رجب - 1434 هـ| 21 - مايو - 2013


1

زادت أعداد المسلمين في هذا العصر زيادة محسوسة، ومع ذلك لم يفرح بهم صديق أو يخف منهم عدو! وما ظهر لهم نتاج حضاري في بر أو بحر أو جو، كأن الدنيا لغيرهم خلقت، أو كأن القدر لم يكلفهم بعمل..!

الحق أن كثيرين ينتمون إلى الإسلام ولا علاقة لهم به، ولا اكتراث عندهم لحقائقه ومطالبه، بل إن هناك من يطعن الإسلام في صميمه ولا يرى أنه فعل شيئاً!

أرأيت هذا الذي يبيع أرض الإسلام لليهود والنصارى، ويعقد معهم أخوة وثيقة وموالاة سافرة، فإذا حاولت مراجعته قال لك ولمن معك: ما أريكم إلا ما أرى.. وتركك مستخفاً بقولك، ومقبلا على خصمك! 

نماذج محسوبة على الإسلام

كيف يعد ذلك في جماعة المسلمين، مع أن الله يصف هذا السلوك وأصحابه فيقول: (تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ، وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) (المائدة: 80، 81).

كيف يسلك في عداد المسلمين امرؤ خالي الذهن عن الله؟ يسمع من بعيد عن اسمه وصفاته، ويسمع من بعيد أنه لابد بعد الموت من لقائه، ومع ذلك يبتسم في بلاهة، ويمضي في طريقه مشغولا عن ذلك بعمل يدر عليه ربحاً ويضمن له طعاماً أو شهوة؟؟ فإذا أوقفته لتعيد إليه رشده ظنك عابثاً، وتركك وهو ثائر أو بارد حتى لا تعطله عن شـأنه.

نظرت يوماً إلى نفر يقيمون في أحد الفنادق، وخيل إليَّ من ملامحهم أنهم أجانب، ولكني عرفت بعد زمن ليس بقصير أن هذا مسلم، وهذا كاثوليكي وهذا شيوعي، ما يوجد شيء يميز أحدهم عن الآخر، ولو بقوا سنين ما عرفت إلى أين ينتمون؟ إن الشيوعي يتعصب لزملائه في شتى القارات، ويتحدث عن الألوهية بسوءٍ، ومن هنا عرفت نزعته، والنصراني يحترم يوم الأحد ويشرب الخمر ويرقص في عيد الميلاد المسيحي، وبذلك عرفت هويته.

أما المسلم المزعوم فحيوان مستأنس يشارك هذا وذاك، ويحيا وسط ضباب فكري محيط، ولا يعي عن محمد شيئاً.

كيف يحسب هذا المخلوق من المسلمين؟

وهناك ألوف مؤلفة ولدت في وصاية الاستعمار وسيطرته المادية والأدبية، ومائلة مع توجيهاته القانونية والخلقية والسياسية والاقتصادية.

ربما ربطها بالإسلام أنها تسمع القرآن يتلى.

ربما دخلت المساجد يوماً أو حيناً بعد حين..!

ربما وصل إليها من عظة عابرة أن الإسلام عقيدة وشريعة، بيد أنها اكتفت بما سمعت ورأت تجميد هذه المعلومات، لأن هناك ما هو أهم! هناك البحث عن المستقبل، عن العمل الرابح، عن الاستقرار الاجتماعي والمكانة والمرموقة وحسب.  

أذلك يحسب من جمهور المسلمين، ويزيد به عددهم كما يحسب في عداد اليهود ذلك الأمريكي الذي جاء من (سان فرانسيسكو) مهاجراً إلى فلسطين، ملبياً نداء العقيدة حتى بلغ مدينة الخليل، وهناك نزل مقاتلا العرب ليقيم بين ظهرانيهم مستعمرة تضمه وإخوانه الوافدين!!

 

مصارحة لابد منها 

إن الفارق بعيد بين المثالين.. إن (المليار) مسلم، الموجودين الآن فيهم أصفار كثيرة، وإحصاء الصفر واحداً خطأ فاحش. من أجل ذلك لابد من وضع نهاية لهذه المأساة، ولابد من مصارحة حاسمة بالحقيقة بالدينية المظلومة. نعم.. لابد من كشف القناع عن هذا الخداع، حتى نستطيع الدفاع عن بيتنا المستباح وحقوقنا المهدرة، (ليهلك من هلك عنْ بيِّنةٍ ويحيا من حيَّ عن بيِّنةٍ) (سورة الأنفال: 42).

نريد أن نعرف من له دين ينتسب إليه حقاً، ويحامي عنه في الضائقات، ومن فرض عليه وصف لا يقدره قدره.

وحاشى أن أكفر مسلماً أو أفسق مخلصاً، ولكنه الحساب الذي لابد منه أمام هجوم متتابع لا يغني في رده الادعاء ولا يسد ثغراته الكذب.

كان الفرار من الزحف الكبير تعاقب بالموت، فكيف الحال إذا وجد من يفلسف فراره ويمجد عاره؟ أنترك هذه الفوضى لتأتي على ديننا وأمتنا من القواعد؟ 

 أريد في تلك السطور أن أبين من هو المسلم؟

المسلم الذي ينطق الشهادتين، يعلن بهذا النطق أنه يعرف الله، ويحيا على ضوء تلك المعرفة. لو قال لك شخص: أنه يعرف الكهرباء ثم مد يده إلى سلك مكشوف مشحون بالتيار فهلك أكان صادقاً حين قال لك: أنه يعرف الكهرباء! كذلك المسلم الذي يعلن أنه مؤمن بالله، إن كان صادق الإيمان لم يجز له أن يخشى الناس ولا يخشى الله، وأن يدعو الناس ويرجوهم، ولا يدعو الله ويرجوه.

 

 المسلم الحقيقي 

إن للإسلام أخلاقاً لا يمكن أن تنفك عن المسلم، إنها تصبغ سريرته، وتحد مسيرته، وتجعله يتوكل على الله، ويفوّض إليه أمره ويتعلق برفده، ويجل من غضبه، ويتثبت بحبله، ويثق بما عنده، ويحب ويبغض فيه، ويعطي من أجله ويمنع، ويخاصم ويسالم ويختلط ويعتزل.

إن لمعرفة الله آثاراً حاسمة في الأخلاق والأعمال، وفي هذه الأيام التي يتعرض الإسلام فيها للموت، لا نقبل عالماً يتملق الظلمة بالفتوى الضالة، ولا مداهناً يبيع دينه بعرض من الدنيا، ولا خائناً يسوغ الهزيمة قبولا للأمر الواقع، ولا أنانياً تهمه نفسه ولا تهمه أمته.

في الخلاص من هزيمة أحد ومحواً لآثارها بين المؤمنين والكافرين، صدر أمر عام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج المسلمون لملاقاة جيش الشرك ومواجهته على أية حال، وأرجف المنافقون أن حشود العدو كبيرة لا يثبت أمامها أحد، وقال المؤمنون: ليكن! لن ننكص عن القتال.. وواجهوا الموقف وابيضت وجوههم، وأخزي الله عدوهم، وقال- سبحانه-: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)(آل عمران: 175).

 نعم.. ثمرة الإيمان أن يكون الخوف والرجاء في جنب الله وحده. وتوقع النصر أو الهزيمة من عنده وحده، وذلك معنى قوله- سبحانه-: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (آل عمران: 160).

 ليس أمامنا إلا أن نصدق الله، ونثوب إلى رشدنا، وندخل أفواجاً في ديننا وندع التفريط أبداً. وإلا صرنا أحاديث يرويها التاريخ، وأثراً بعد عين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* المصدر:  كتاب "كيف ندعو الناس" لفضيلة الشيخ محمد الغزالي ، بتصرف يسير.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...