أيها المسؤول انتظر يوم مسائلتك

رأى لها
16 - شوال - 1438 هـ| 10 - يوليو - 2017


أيها المسؤول انتظر يوم مسائلتك

اعتاد الأطفال والمراهقون على أن يقوم الأهل والأخوة الكبار والمدرسون في المدرسة وغيرهم بمسائلتهم ومحاسبتهم على كل شاردة وواردة. وإن نجى بعضهم من العقوبة، فإنهم قد لا ينجون من التأنيب أو الوعيد أو التحذير من عدم ارتكاب أي خطأ.

       وتتنوع الأخطاء وعقوباتها بتنوع الحزم من قبل الأهل والمدرسين، فإن كان الأب حازماً وجازماً في الخطأ، فإن عقوبته قد تكون أكبر من عقوبة الأم، التي ربما تكون ألين وأقل حزماً، وهكذا هو التفاوت بين مدرّس وآخر.

       وغالبية الأولاد والفتيات ينتهي معهم عصر المحاسبة والمسائلة والعقاب بعد الزواج، فإن أسس الشاب أسرة وأصبح مسؤولاً عن أسرة، انتهى من مسائلة الأهل ومعاقبتهم، وأصبح هو المسؤول والمحاسب لزوجته وأبناءه، وإن تزوجت الفتاة، وأصبحت مسؤولة عن عائلتها الجديدة، يكون عصر عقوبات الأهل قد ولى تقريباً. مع استمرار المحاسبة في أمور أقل وأيسر عن ذي قبل، إذ تتحول المسائلة إلى أسئلة، والعقوبات إلى عتب وصد، وينتهي عصر عقوبات الأساتذة بانتهاء الدراسة، وتتحول إلى مسائلة في العمل بحال الوظيفة وهكذا.

       وكلما كبر الإنسان عمرياً ووظيفياً: قلّت محاسبته من الآخرين، وتحول هو إلى جهة لمحاسبة الآخرين ومسائلتهم وعقوبتهم. حتى يصل الإنسان إلى مرحلة يصبح فيها غير متقبل أبداً للمسائلة من الآخرين أو متعرضاً لمحاسبتهم أو عقوبتهم.

       بيد أن الأمر بالعكس تماماً. إذ إن الأطفال والمراهقين عادة ما يكونوا في سن غير مكلفين فيه شرعاً، وبالتالي فإن مسؤولية أخلاقهم وأمانهم وتصرفاتهم تقع على عاتق الأهل والمدرسين. كما أن المرأة التي يعتبر الزوج مسؤولاً عنها، فيحاسبها على كل صغيرة وكبيرة، هو من سيسأل عنها، وسيحاسب على تقصيره في حقها أو سكوته على خطأها. والأم التي تعاقب أبناءها، هي من قد تعاقب بحال قصرت في حقهم وتربيتهم، وتخصيص الوقت الكافي لمراقبة أخلاقهم، وتصليح سلوكهم، وعدم الركون للخادمات في التربية.

       المدرّس الذي يحاسب طلابه، ويقسو عليهم لدرجة ينسى فيها أنه هو المربي والقدوة لهم، في الحقيقة هو من سيسأل عن أخلاقهم وعلمهم وسلوكهم، وعن ظلمهم بحال تعرضوا للظلم على يديه. وكم من طالب حمل معه عُقد نفسية من منهاج أو علم معين، بسبب مدرس تلك المادة.

       كما أن المدير الذي يمارس حقه كاملاً في مسائلة الموظفين ومراقبتهم ومعاقبتهم، في الحقيقة هو من سيسأل أمام الله عن أي حق لهم لم يأخذوه، أو أي أذية تعرضوا لها، فهو يستطيع بسهولة أن يأخذ حق مؤسسته أو شركته من الموظفين، وعليه أن يفكر أن هناك من سيسأخذ حق الموظفين منه، بحال قصّر في حقوقهم.

       وكذلك الأمر مع كل من حمّله الله منصباً ليكون مسؤولاً عن العباد. فالمسؤولية تعني أن الشخص المسؤول سيسأله الآخرون عنه، وسيتعرض للمسائلة عنهم، خاصة أمام الله سبحانه وتعالى.

       وكلنا نذكر كلام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ حينما قال " "لو ماتت شاة على شط الفرات ضائعة، لظننت أن اللّه عز وجل سائلي عنها يوم القيامة".

       ويقول صلى الله عليه وسلم: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ"متفق عليه.

         

       فليتق الله أصحاب المسؤوليات في بيوتهم ومدارسهم ومكاتبهم، ولينتظروا يوم أن يحاسبهم الله على ما حاسبوا به عباده من أبناء وطلاب وموظفين ومواطنين وغيرهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)هذا هو اللفظ الصحيح الوارد في حلية الأولياء، وورد أيضا في مصادر أخرى منها تاريخ الطبري4/202، و المطالب العالية 4/41 بلفظ: "لو مات جدي بطف(بشاطئ) الفرات لخشيت أن يحاسب اللّه به عمر"بإسناد حسن. أما المشهور على الألسنة: "لو أن قدم شاة تعثرت في العراق لخفت أن يسألني الله عنها".

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...