إعادة تدوير الدراما

كتاب لها
10 - رمضان - 1437 هـ| 16 - يونيو - 2016


1

بعدما هدأ الجدل الكبير حول أحد المسلسلات المثيرة للجدل؛ قررت مشاهدة إحدى حلقاته على اليوتيوب، ولم يكن خافيا بالطبع الطرح المباشر والخفي المؤدلج، المناصر لتيار ضد آخر. ومع أنني ضد معالجة قضايانا الاجتماعية وفق رؤية صراع التيارات، إلا أن طرح تيار معين فكرته المصادمة لرؤى المجتمع السائدة، والتي تؤكد أنظمة الدولة الالتزام بها ورعايتها، أمر يسهم في خلخلة البناء المجتمعي بطريقة غير إيجابية، حتى وإن كانت تحت مسمى النقد والإصلاح.

 

الإثارة المعتمدة على تضخيم وقائع سلبية فردية توحي بأنها هي الأصل في مجتمعنا، أو أنها صارت ظاهرة منتشرة، وبالتالي رأينا من يشكك في القضاء والتعليم وغيرها من الجهات التي يعتقد أصحاب تلك الدراما أنها ترتبط بالتيار الذي يعادونه ويعاديهم.

 

في تلك الحلقة التي شاهدت، لم يكن ظاهرا أمامي سوى الإستراتيجية العتيقة للمسلسلات العربية التي شاعت في حقبة السبعينات والثمانيات من القرن الماضي، وهي دراما تعتمد على تزيين الباطل، وتقبيح الحق من خلال الشخصيات التي تؤدي تلك الأدوار. فحتى يتقبل العقل الباطن للمشاهد رسالة سلبية؛ فإنه يتم تقديمها عبر شخصية محبوبة ومقبولة في المسلسل. وفي الوقت نفسه يقوم بالدور الإيجابي شخصية سلبية. ومن أمثلة ذلك، أسرة من والدين وابن وابنة، الولد منحرف وشرير، سكير وصاحب علاقات محرمة، والبنت طيبة وبارة بوالديها ومتفوقة في دراستها. تحب الفتاة أحد زملائها في الجامعة، شاب طيب وجاد وخلوق، وبار بوالدته الأرملة المريضة. يتقدم الشاب لخطبة الفتاة، وتوافق الأسرة على هذا الشاب "اللقطة". ولكنه يبدأ في محاولات اللقاء بخطيبته، ليس في البيت أمام والديها، بل في نزهة "بريئة" خارج المنزل. الأب الشرقي التقليدي يرفض ذلك، ولكن الأم "الطيبة" التي تعرف ابنتها جيدا لا تمانع في ذلك، فيأتي الخطيب "الخلوق" بالسر ويصطحب خطيبته، وتسير الأمور على ما يرام. فجأة يكتشف الأخ "الشرير" ما يجري من ورائه ودون علم أبيه، فيبدأ بالثورة والانفعال والعصبية! ويهدد بتكسير البيت على رأس أخته الطيبة، ويحاول الاعتداء على خطيبها. وربما في بعض الأحيان يضربه محدثا بعض الجروح في وجهه وذراعه، ولكنه يتنازل طواعية عن حقه في اعتقال شقيق خطيبته "الطائش" الذي انفعل بلا "مبرر"، مؤكدا طيبته ورقي أخلاقه.

 

كان الموقف العاطفي اللحظي الذي ينعكس في أذهان الجماهير التي تتابع المسلسل ببراءة، وربما بسذاجة، هو التعاطف مع "موقف" الفتاة وخطيبها، حتى وإن كان في النفس شيء من فعلهما غير المقبول! ولكن موقف المشاهدين بالتأكيد غير متعاطف أبدا مع الأخ الطائش المتهور في تعنته وتناقضاته، فهو لا يرضى لأخته ما يرضاه لبنات الناس. ثم إضافة إلى ذلك، فالمشاهدون يرون أن الفتاة تخرج مع خطيبها، وليس رجلا غريبا، وإلى مكان عام، ومصيرهما الزواج بعد التخرج!

 

الشيء نفسه حدث في تلك الحلقة التي شاهدت، حيث أظهر تبرج الفتاة "البريئة" بشكل يبدو مقبولا بالمقارنة مع موقف الأب المتشدد بعدما حدث لها تحرش في أحد المحلات، فمنعها من الخروج من البيت إلا إذا كانت بصحبة أمها. وكان الإسقاط السلبي على القاضي الذي شاهد مقطع التحرش الذي سجلته كاميرات المحل وعنّف الفتاة بسبب تبرجها، وخفف العقوبة على الشاب! ترسيخا لصورة نمطية أن المتدينين يؤيدون التحرش بالفتاة التي تكشف وجهها أو شعرها. وزاد الطين بلة انتشار المقطع عبر وسائل التواصل الاجتماعي. طبعا الأخ هنا ظهر بصورة الشاب اللئيم الذي يشجع والده على منع أخته من الخروج وحدها مع السائق ويحرضه ضدها لأنها لا تحتشم عندما تخرج!

 

ومما زاد حجم الكارثة الظالمة على الفتاة، قيام الأسرة التي تقدمت لخطبتها لابنها بالتراجع عن الخطوبة، في الوقت الذي كانت تنتظر تقدمهم لخطبتها رسميا، وكل ذلك – طبعا- بسبب تلويث سمعتها بعد انتشار المقطع، الذي لا تتحمل الفتاة مسؤوليته، بل يتحمله كاملا ذلك الشاب المتهور!

 

الدراما مؤثرة في شعوبنا العربية بشكل كبير، والقناعات تتغير بالتدريج، ولاسيما أن بعض الجماهير يتعاملون معها بسهولة، وإن شئت فقل بسذاجة كبيرة؛ لأنهم يبتلعون الطعم ويسلمون عقولهم للتلفاز، دون إدراك أو نقد للرسائل الخفية المتضمنة في تلك المسلسلات.

 

ومن الشواهد على ذلك: ما ذكره ممثل مصري مشهور، بعدما مثل دور رجل شرير في أحد المسلسلات، ونجح في تقديم الشخصية بمهارة عالية. يقول كنت في أحد المحلات التجارية، ورآني أحد البسطاء، فقال أنت فلان! فقلت: نعم! فانقض عليّ لضربي انتقاما من دوري الشرير في المسلسل. لا شك أن الجماهير ليسوا بسذاجة هذا الشخص، ولكنهم حتما يتلقون رسائل بمستويات مختلفة، ويتأثرون بها ربما أكثر من ذلك الشخص البسيط!

 

كنا نتمنى أن تكون الدراما -على عِلّاتها- نابعة من القيم الإسلامية أو المحلية التي يؤمن بها المجتمع ويتبناها، بل ليتها كانت ترسخ القيم الإنسانية المتفق عليها بين البشر. المشكلة أنها في كثير من الأحيان تعمل على هدم تلك القيم، وتقديم قيم غريبة عن الدين والمجتمع والأخلاق. الكارثة أنها تقدم في قالب جاذب يعتمد التشويق، ويمرر الرسائل السلبية واحدة تلو الأخرى، مسلسلا بعد مسلسل، وكأن هناك اتفاقا ضمنيا بين شركات الإنتاج على التعامل مع سيناريوهات ترسخ في المجتمع بالتدريج قبول الأفكار المنحرفة، مثل: الخيانة الزوجية، الانفلات الأخلاقي للمراهقين والشباب من الجنسين، الخمور والمخدرات، العلاقات المحرمة، الشذوذ الجنسي، وغير ذلك من القضايا التي كان تناولها في زمن مضى يعد جرأة غير مبررة. فإذا بها اليوم تقدم على أنها "صورة المجتمع" الواقعية، بينما هي تحكي واقع فئة منحرفة شاذة، لا تمثل إلا نسبة ضئيلة، تقوم تلك المسلسلات بتعميمها وتشويه صورة المجتمع وكأنه مجتمع غربي عريق في الرذيلة والانحراف، ومتعايش معها بشكل طبيعي!

 

ولعلي أختم بسبب يمكن أن يخفف كثيرا من آثار تلك المسلسلات الهادمة للأخلاق، ألا وهو تجنب جلوس الوالدين مع أطفالهما أو أبنائهما وبناتهما المراهقين أمام الشاشة سويا لمشاهدة تلك المسلسلات، حيث إن مثل هذا الاجتماع العائلي يشكل قبولا ضمنيا للمحتوى المقدم عبر الشاشة، مادام الوالدان يشاهدانه وبحضور الأبناء.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


د. محمد بن عبد العزيز الشريم

بكالوريوس "العمارة وعلوم البناء" من كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود بالرياض عام 1407 هـ
ماجستير "العمارة والثقافة" من جامعة كانساس بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1411 هـ
دكتوراه في "العمارة والسلوك البيئي" من معهد جورجيا للتكنولوجيا بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1421 هـ

• بكالوريوس "العمارة وعلوم البناء" من كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود بالرياض عام 1407 هـ
• ماجستير "العمارة والثقافة" من جامعة كانساس بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1411 هـ
• دكتوراه في "العمارة والسلوك البيئي" من معهد جورجيا للتكنولوجيا بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1421 هـ

• معيد بقسم العمارة وعلوم البناء، كلية العمارة والتخطيط: (1407 هـ حتى 1408 هـ)
• عضو هيئة التدريس بقسم العمارة وعلوم البناء، كلية العمارة والتخطيط، جامعة الملك سعود: (1421 هـ حتى تاريخه)
• رئيس تحرير مجلة الأسرة من عام 1423 هـ وحتى بداية عام 1428 هـ
• عضو مجموعة المشورة الثقافية للمهرجان الجنادرية التاسع عشر رئاسة الحرس الوطني – المهرجان الوطني للتراث والثقافة
• مستشار تربوي في مركز الاستشارات في موقع لها أون لاين (1427 هـ حتى تاريخه)
• مستشار التحرير بمجلة الديرة الصادرة عن الجمعية السعودية لعلوم العمران
• عضو مجلس إدارة مركز البحوث بكلية العمارة والتخطيط وهيئته التحريرية
• كاتب مقالة شهرية تربوية في مجلة الإسلام اليوم بعنوان "ببساطة"
• مهتم بالقضايا التربوية والاجتماعية وخاصة التواصل بين الوالدين والأطفال والتعامل بين الزوجين ومهارات تطوير الذات وله كتابات عديدة فيها
• شارك في إلقاء عدد من المحاضرات المتنوعة والدورات التدريبية في مجالات العمارة والإعلام والتربية ومهارات تطوير الذات
• كتب عددا من المقالات المنشورة في الصحف والمجلات والمواقع الاليكترونية
• عضو في عدد من اللجان الاستشارية المعمارية والإعلامية
• استضيف في عدد من البرامج التلفازية والإذاعية والصحف والمجلات
• حكم عددا من الأبحاث العلمية والكتب المعمارية والإعلامية والتربوية للنشر


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...