إلى متى نقف في الظل؟

رأى لها
23 - شعبان - 1437 هـ| 30 - مايو - 2016


إلى متى نقف في الظل؟

من يتابع المحطات التلفزيونية الآن يلاحظ فورة إعلانية ضخمة لدوراتها البرامجية الخاصة بشهر رمضان الكريم.

وتشكل المسلسلات جزءاً كبيراً من هذه البرامج؛ مسلسلات اعتدنا في كل عام ألا صلة لها بالشهر الفضيل، الشهر الذي تعرض خلاله، ويروج لها بكل الوسائل الإعلانية لتتابعها البيوت المسلمة في أهم شهر ينتظره المسلمون ويدعون الله أن يبلغهم إياه.

 الأمر  لم يقف عند هذا الحد، بل إن هذه المسلسلات لا تنتمي فيما تقدمه للمجتمع المسلم المنبثقة منه لا في مظهره لا في جوهره.

 

مسلسلات ذات محتوى يأخذ متابعيه بعيداً عن مجتمعهم ودينهم وتقاليدهم، ويوجد لهم اهتمامات وأولويات ليست من أساسيات تفكيرهم، ويكرس قيما ومفاهيم ليست في قاموسهم، ثم يرسخها لهم من خلال التكرار ويزينها لهم، مستثمرين التطور التكنولوجي الكبير الذي حظيت به الدراما لتحقيق هدفهم.

 

استطاع صنّاع هذه المسلسلات العبث في البيت المسلم، عبر رسائل ضمنية وظفت بتشويق وامتاع بصري، وسط عجز من أصحاب التوجه الطيب في إيجاد البديل القادر على المنافسة.

 

إن خوف أصحاب التوجه الطيب من الانخراط في العمل الدرامي؛ خشية الوقوع في مخالفات شرعية أو فكرية، خلّف عجزاً كبيراً في هذا المجال؛ استغله معتنقو الديانات الأخرى وأصحاب التوجه اللبيرالي، فأمسكوا بزمام العمل الدرامي وصالوا وجالوا به كما يشاؤون، بعيداً عن كل قيم المجتمع العربي بشكل عام، والمجتمع الإسلامي بشكل خاص؛ مما أثر سلباً على الصورة الذهنية للإسلام والمسلمين، لما لحقها من تشويه وافتراء؛ فمما يثير في النفس الشجون أن يتصدر للكتابة عن الإسلام والمسلمين ممن لا يعرفونه؛ إما لأنهم من ديانة أخرى، أو لأنهم كانوا ضحايا التشويه الإعلامي الذي يتم تكريسه بشكل يومي، أو أنهم يعملون وفق أجندات معينة.

 

على سبيل المثال المسلسلات اللبنانية التي تكتب بأقلام نصرانية، تروج للمجتمع العلماني كمجتمع مثالي، وبالوقت ذاته تبرز دور الكنيسة والدير في تطهير القلوب، وإراحة النفس الخاطئة فيما تقدم صورة مشوهة عن المجتمع المسلم، لا تمت له بصلة. وتظهر المحافظ منه والملتزم بالمظاهر الشكلية بأنه متخفي وراء ثوب الورع، بينما تكشفه الأحداث فيما بعد بأنه رجل خائن، ويحب النساء ويلعب القمار، فيما المرأة الملتزمة امرأة منكسرة ضعيفة خانعة!

كذلك الدراما العربية والتركية بالمجمل وقعت بذات المستنقع، فقدمت المسلم الملتزم إما أنه متخلف ومعقد، أو أنه ارهابي قاتل. 

المتابع للرسائل الإعلامية المختلفة من أخبار وتقارير وقصص خبرية ودراما، يلاحظ حرص الإعلام وديمومته في تقديم صورة سمحة وجميلة للبابا والكنيسة، فيما عجز إعلامنا أن يظهر رحمة الدين الإسلامي.

الدراما التي نتكلم عنها ليست في تقديم سيرة الصحابة، أو شخصيات إسلامية بارزة، وإنما في تقديم صورة من حياة المسلم المعاصرة، كيف يعيش بالإسلام، يقرأ القرآن ويصلي في المسجد، ويتخلق بأخلاق الإسلام في تصرفه وكلامه، في عشرته لجاره وبره بوالديه وحبه لزوجته ورعايته لأولاده، يقوم بالخير، ويقول إنه يفعل ذلك؛ لأن دينه يأمره بهذا، ويتجنب المعصية؛ لأن دينه يحذره منها.

 

إن لكل عمل نقوم به قيمه وأخلاقياته الضابطة له، وبقدر الالتزام بهذه الأخلاقيات والقيم بقدر الوصول إلى النجاح والتميز، وهذا ينطبق أيضاً على العمل الدرامي، فبقدر التزام العمل المقدم بالقيم الدينية والمجتمعية وبالأخلاقيات المحمودة، يكون نجاحه وقربه من المجتمع، وبقدر انضباطه بالضوابط الشرعية جنباً إلى جنب مع فتح الباب على مصراعيه للإبداع الأدبي والتصويري، بقدر ما نحصل على  دراما قادرة على النجاح والمنافسة، دراما تجسد المجتمع بقيمه. دراما ملتزمة منبثقة من عاداته وفكره وأخلاقياته، لا بد لها أن تنجح وتساهم في علاج التشويه المنظم لديننا وعاداتنا وقيمنا.

 

بقاؤنا في الظل وخوفنا من الانخراط في العمل الدرامي، خلق فجوة كبيرة بين حقيقة ديننا وبين ما أصبح عليه في أذهان هذا الجيل.

أثر سلبي سيمتد إلى الأجيال القادمة إن بقينا في الظل، بينما يتصدر هؤلاء في وضح النهار تصوير وتشويه المجتمع المسلم والمسلمين بحسب أجنداتهم. فهل من مبادر لنظهر حقيقة ديننا في حياة المسلم المعاصر؟.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...