الأمهات وضرورة التثقيف التربوي

دعوة وتربية » فقه الدعوة
29 - ذو الحجة - 1439 هـ| 10 - سبتمبر - 2018


1

البيت هو أول مؤسسة تربوية، والأم هي العماد في العملية التربوية، والواقع الذي نعيشه يؤكد خطورة موقع الأم اليوم في عملية التربية أكثر من أي وقت مضى، فنتيجة لضغوط الحياة المعاصرة يضطر الرجل للعيش ساعات طويلة خارج البيت، يكابد مشاق الحياة  من أجل أن يوفر نفقة البيت ونفقة الأولاد، ومن ثم صارت الأم هي المنوط بها عملية التربية. نعم دور الأب جوهري ورئيس في التربية، ويجب أن يشارك الأم، لكن الحديث هنا عن الواقع الذي تعيشه الأسر في غالب مجتمعاتنا العربية، وليس عن الصورة النموذجية التي ينبغي أن تكون.

 

ضرورة التثقيف التربوي

هذا الواقع يفرض علينا: ضرورة تثقيف الأم تربويا وبنائها عقديا وفكريا وروحيا؛ حتى تتمكن من النجاح في المهمة الشاقة المفروضة عليها، ومما يرشح وظيفة الأم ويؤكد خطورتها: أن الأم أكثر ملازمة للطفل من الأب، كذلك الأم أقدر من الأب على معايشة الطفل وتلبية احتياجاته بحب وحنان فطري، غرسه الله سبحانه وتعالى في قلبها، فهي تضحي بكل شيء حتى بحياتها في سبيل ولدها، الذي هو قطعة من بدنها، ولذلك يلاحظ عندما يرجع الأب من العمل منهك القوى، مكدوداً من سعيه في طلب الرزق الحلال، أن كل همه أن تكف الأم الضوضاء التي يحدثها الأولاد؛ لأنه يريد أن يستريح أو ينام أو يأكل، فتراه يقول: كفي عني شر هؤلاء الأولاد وضوضاءهم.

فالأم عبارة عن موظف متفرغ تماماً لهذه الوظيفة الخطيرة، والوظيفة الأساسية للأم، بعد عبادة الله سبحانه وتعالى وطاعته هي: رعاية الأطفال وتربيتهم.

حرص الإسلام على توفير كل ما يمكن من الأسباب والظروف التي تؤهل المرأة وتمكنها من القيام بالوظيفة الأساسية بعد عبادة الله سبحانه وتعالى، ألا وهي: تربية الأولاد وحسن التبعل للزوج، فرفع عنها مئونة العيش والاكتساب، فلا يجب عليها النفقة والاكتساب والشغل والعمل؛ لأنه فرض على الزوج أن ينفق عليها وعلى أولادها، فلم تعد لها حاجة إلى العمل خارج البيت؛ لأن العمل يقصد به الكسب وتحصيل الرزق، وكفيت هي ذلك لقاء أنها منصرفة ومتفرغة لعمل خطير جليل هو تربية الأولاد في البيت.

كذلك رفع الإسلام عنها إيجاب بعض ما فرضه على الرجال؛ تحقيقاً للغرض ذاته؛ لأن المرأة عبارة عن موظفة متفرغة، وفي الحقيقة هي موظفة كثيراً ما يهدر حقها، وهي ليس لها معاشات ولا مرتبات، وأحياناً كلمة الشكر لا توجد! إن لم تكن الأذية والاضطهاد.

فالمرأة تعمل أربعاً وعشرين ساعة في اليوم والليلة يومياً، فهي تحت أمر أي واحد في البيت، الطفل الصغير ليس له مواعيد، الرضيع يوقظها في أي ساعة من ليل أو نهار، إن كانت نائمة فتستيقظ كي تغذيه وكي ترضعه، وتنظفه وترعاه، بينما الأب قد يتأفف من فعل عشر معشار ما تفعله المرأة، لكن انظر إلى الرحمة التي أودعها الله سبحانه وتعالى في بيتها، فوفر لها الشرع كل ما أمكن، وذلك لقدسية وظيفتها وخطورة وظيفتها.

لأجل هذه الوظيفة الخطيرة رفع عنها الشرع كثيراً من الواجبات؛ حتى تظل عاملة في مكان عملها، فهو وفر لها الوقت الكافي للانصراف إلى مهمتها.

فمثلاً: صلاة الجمعة واجبة على الرجال، وليست واجبةً على المرأة، وكذلك صلاة الجماعة.

لقد هيأ الإسلام للمرأة البيئة التي تساعدها على وظيفتها، وجعل لها حقوقا من نفقة ورحمة وكفالة ومودة؛ حتى تستطيع القيام بمهمتها على أكمل وجه، وحتى تتمكن من إعداد جيل ينهض بأمته.

وعلى مدار تاريخ الإسلام: استطاعت المرأة المسلمة القيام بهذه الوظيفة على أكمل صورة، نتيجة لوعيها وثقافتها الدينية، فخرجت لنا أجيالا وشخصيات قل أن تجد لها نظير في أي أمة من الأمم... وفيما يلي نماذج من هذه الأمهات:

أم سفيان الثوري:

سفيان الثوري الإمام الفقيه المحدث، الذي قال فيه الأوزاعي: لم يبق من تجتمع عليه الأمة بالرضا إلا سفيان.

سفيان رحمه الله كان ثمرة أم صالحة، روى الإمام أحمد بسنده عن وكيع قال: قالت أم سفيان لـ سفيان: يا بني! اطلب العلم، وأنا أكفيك بمغزلي.

أي: تكفيه نفقته وشؤون حياته حتى يتفرغ للعلم.

وقالت له توصيه: يا بني! إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك.

أم الإمام الأوزاعي

والإمام الفقيه الثبت، إمام أهل الشام وفقيههم أبو عمرو الأوزاعي، الذي قال فيه بقية: إنا لنمتحن الناس بـ الأوزاعي، فمن ذكره بخير: عرفنا أنه صاحب سنة.

كان يتيماً فقيراً في حجر أمه، فنقلته من بلد إلى بلد، حتى تعلم، وبلغ مرتبة الإمامة والفقه.

قصة الإمام ربيعة

والإمام ربيعة بن أبي عبد الرحمن قصته مع أبيه مشهورة، رواها ابن خلكان، وذلك أن أباه فروخ فارق أمه وهي حامل به، وترك عندها ثلاثين ألف ديناراً، وأوصاها بحملها خيراً، ففارقها إلى ميدان الجهاد، وغاب هناك سنوات طويلة، فعاد بعد أكثر من ثلاثين سنة، عاد ليطرق بيته فخرج إليه ابنه ربيعة، فقال له: كيف تهجم على بيتي وأهلي؟! فقال له: كيف أنت تدخل بيتي؟ فعلت أصواتهما، وارتفعت خصومتهما، حتى جاء الإمام مالك واللجج والخصومة بينهما، فقال: أنا صاحب هذا البيت أنا فروخ، فسمعت أم ربيعة صوته وسمعت كلامه، فعرفت أنه زوجها، فنادته وقالت: هذا ولدك فتعانقا.

ثم سألها عن المال الذي أودعها إياه، فقالت: إني دفنته واختبأته، ونام ثم لما استيقظ قالت له: اذهب واشهد صلاة الفجر في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وذهب ورأى رجلاً قد اجتمع حوله أفواج من الناس يستمعون إليه، فسأل وهو مطرق رأسه خجلاً منه، فإذا هو ابنه ربيعة، فعاد إلى زوجه فوصف لها ما وصف، فقالت: أيسرك هذا أم الدنانير؟ قال: والله! هذا أحب إلي، فأخبرته أنها أنفقتها في تعليمه.

لقد كان وراء الإمام ربيعة ـ رحمه الله ـ تلك الأم التي ربته وتعاهدته حتى بلغ ما بلغ.

أم الإمام الشافعي:

والإمام الشافعي الإمام الفقيه المجدد، مات أبوه وهو جنين أو رضيع، فتولته أمه بعنايتها، وتنقلت به من غزة مهبطه إلى مكة مستقر أخواله، وكانت من العابدات القانتات، ومن أزكى الخلق فطرة.

وحصلت لها قصة مشهورة عند أحد قضاة مكة، ذلك أنها شهدت هي وأم بشر، فأجاز شهادتهما فذكرته بقول الله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة:282].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

  • دروس الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم، المكتبة الشاملة.
  • دروس الشيخ محمد الدويش، المكتبة الشاملة.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...