الأم وتربية النشء

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
03 - رجب - 1438 هـ| 30 - مارس - 2017


الأم وتربية النشء

الأم مدرسة تربي وتوجه، وتعتني وترشد الأجيال، ويخرج من تحت يديها العلماء والقادة، الذين تكون لهم الريادة والزعامة، في العلم والدعوة والأخلاق والاقتصاد والسياسة، وكم من الأئمة الأعلام من أعتنت بهم أمهاتهم، فكانوا هداة ومصابيح خير.

الأم تغرس في نفوس الصغار حب الله تعالي والخوف منه، وحب الإصلاح، والمسارعة في تقديم الخير، كما تقوم بمتابعة ومراقبة سلوك الأبناء، فتبادر بالتقويم وإصلاح السلوك المعوج، ومعالجة ما يطرأ من انحراف في بدايته، هذا بجانب غرس الحب والحنان، والمودة والاستقرار، والثقة بالنفس في نفس الطفل منذ نعومة أظفاره. فأنفاس الأم تنضج الطفل، واحتضانها له غذاء وشفاء، وسماعه لدقات قلبها حياة وإرادة.

يقول الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ: "نشأت يتيمًا وأنا بالشام، فجهَّزَتْني أمي للسفر إلى مكة لطلب العلم، وأنا ابن عَشْر سنين". وما أجمل مقولة عمر بن عبد العزيز - رحمه الله- "الصلاح من الله والأدب من الآباء". 

ولمَ كل هذا الجهد؟ لأن الأم واعية بمسؤوليتها، تعلم أن طفلها أمانة الله، قد أودعها إياه، قال الله تعالى: "وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ" {المؤمنون: 8}، فهو سائلها عنه يوم القيامة، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ"{التحريم: 6}.

 وقال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ، وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ"(متفق عليه).  

يقول ابن القيم - رحمه الله-: "فمن أهملَ تعليمَ ولدِهِ ما ينفعه، وَتَرَكَهَ سُدى، فقد أَساءَ إليه غايةَ الإساءة، وأكثرُ الأولادِ إِنما جاء فسادُهُم من قِبَلِ الآباءِ وإهمالِهِم لهم، وتركِ تعليمِهِم فرائضَ الدينِ وَسُنَنَه، فأضاعوها صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسِهِم ولم ينفعوا آباءَهُم كِبَارا" (تحفة المودود بأحكام المولود).  فالاستثمار في تربية الأطفال هو أنجحُ وأسرعُ استثمار لأي مجتمعٍ يُخطّط لمستقبل حضاري واعد.

اقتحمت العولمة عقر دورنا بشعارات زائفة، عن التقدم والتحرر والقضاء على الفقر، وخرجت كثير من النساء لسوق العمل، تاركة أطفالا في أمس الحاجة إليها، في حضانات أو إلى خادمات، تفتقر لوسائل التربية والرعاية؛ وإن تحقق فيها شيء من الاهتمام، فلا شك لا تملك قلب الأم، ولا حب الأم، فيشب الطفل في جو مهيأ لاكتساب العادات السيئة. وعند عودة الأم من عملها تكون منهكة متوترة، الأمر الذي يؤثر ذلك علي نفسيتها وسلوكها، فتفتقد الهدوء والاتزان، وتشجع بعضهن صغارها علي مشاهدة التلفاز، أو الانكباب على ألعاب السوني أو وسائل التواصل حتي تستريح من شغبهم وصراخهم، فترميهم مجددا في أحضان وسائل لها من التأثيرات الضارة على نفسية وسلوك أولادها ما الله به عليم.

بكل تأكيد لست ضد عمل المرأة، التي تحتاج للعمل أو يحتاجها المجتمع، لكنني أؤكد كذلك على أن المرأة المسلمة عليها أن تدرك أن دورها في بيتها، لا يقل أهمية عن أي عمل في المجتمع بل يزيد، وعليها أن تجعل رعاية زوجها وتربية أبنائها على رأس أولوياتها، فأسرتها هي المكسب والمغنم الحقيقي، وأطفالها سيغدون بإذن الله، ألسنة صدق، تلهج بالدعاء الصالح بعد الممات، وما علينا إلا إحياء الدور الرئيس لكل أم. ألا وهو تربية النشء.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


د. سميحة محمود غريب

يكالوريوس علوم
ماجيسير
دكتوراه

مستشارة في شئون الأسرة في المواقع الآتية:
1- الإسلام اليوم.
2- المستشار.
3- لها أون لاين.
من مؤلفاتي:
1- كتاب " كيف تربي طفلا سليم العقيدة؟"
2- كتاب زواج بلا مشاكل.
3- كتاب " الجنة في بيوتنا : خطوة بخطوة نحو الزواج الناجح"
لي عديد من الأبحاث والمقالات والأحاديث الإذاعية والتليفزيونية.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...