الإبداع .. ابن الأمومة البار! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

الإبداع .. ابن الأمومة البار!

أدب وفن » بوح الوجدان
08 - رجب - 1440 هـ| 15 - مارس - 2019


1

الأمومة والإبداع طريقان الجمع بينهما من أصعب ما يكون، خصوصاً إذا أردنا أماً كاملة الأمومة، ومبدعة ناضجة نشطة!

لكن بالرغم من هذه الصعوبة فإنَّ بلوغ التوفيق بين الواجبين ليس مستحيلاً، ولا هو بالعبء الهائل الذي تصوَّرناه أثناء إعداد هذا التحقيق، فقد بدا من ضيفاتنا الكريمات أنَّ المسألة سهلة ويسرة، إذا وضعت المبدعة الأم جملة من الاعتبارات نصب عينيها أثناء ممارستها الأمومة والإبداع ليسير الخطَّان جنباً إلى جنب، يغذي كلّ منهما صاحبه، ويضفي عليه بعض ملامحه وحسن طباعه، حتى يصل إلى مرحلة يصعب على المتابع فيها التفريق بين الأمومة أو الإبداع!

نأكل خبز المبدعات ونشكرهن عليه، ونكيل لهن الثناء والمديح، لكن إذا نظرنا إلى حياتهن الخاصة وأدوارهن كزوجات وأمهات تراجعت مواقفنا بعض الشيء، فمن قائل: إنَّ الأديبة نصف أم، وقائل آخر: لا بل هي مبدعة فقط، وثالث يطالب إمَّا بالتفرغ للأمومة وإما بالتفرُّغ  للإبداع.

توجهنا بوجهات النظر هذه إلى نخبة من الأديبات الأمهات، فماذا كان رأيهن؟

تقول القاصة الأردنية خولة العناني المعروفة بأمّ حسان الحلو: الأمومة أمانة سماوية ومحبة قلبية ونداءات فطرية، والإبداع قد يكون موهبة وهواية، فإن هتفا في اللحظة نفسها استجاب القلب فلبَّى النداء، وأدَّى الأمانة وهدهد المواهب إلى حين، وعليه؛ فلو وصفت لحظة ما بأنني نصف أديبة أو ربع أديبة أو أقل، فهذا لا يهم إن كنت راضية عن عطائي كأم.

أمَّا الأديبة المغربية خديجة أحمد مفيد فترفض فصل الأمومة عن الإبداع وتراهما وجهان لعملة واحدة، فتقول: الكاتبة الأم هي في نظري كاتبة كاملة وأم كاملة؛ لأنَّ الكتابة والأدب عموماً تجارب داخلية تنقل العمق الإنساني إلى السطح عبر عملية الكتابة تمكيناً من الخبرة وإمتاعاً للمتلقي من خلال جمالية الإبداع والكتابة اللذين لهما هدفان ساميان هما السمو بالفكر والسمو بالروح.

والأمومة تجربة إنسانية رائعة وتعبير عن الحياة الطبيعية في تلقائيتها وفطريتها، وهي العمق الإنساني، بل هي اتساع الأحاسيس التي تمثِّل أكثر من كائن إنساني، كما أنَّها تمثِّل الوجه الأول للاستخلاف، والجمع بين الاثنين هو قمة النجاح الربَّاني الذي تبديه الآية الكريمة في قوله تعالى: }ربنا هب لنا من أزواجنا وذريَّاتنا قرَّة أعين واجعلنا للمتقين إماماً{.

والأم المبدعة في نظر أديبة الأطفال "وفاء السبيل" ليست الأم العاملة الناجحة في مجال عملها، وإنَّما هي التي تقدم إنتاجاً ثقافياً مهما كان نوعه والصورة التي يظهر فيها، وهذا الإنتاج يُسهم في البناء الثقافي للمجتمع والأمة، والأم المبدعة التي تستشعر مسؤولياتها ودورها لا يمكن أن تكون نصف أم مهما كان الدور الآخر الذي تود أن تحققه، ولا أعتقد ـ والكلام للسبيل ـ أنَّ هناك تعارضاً بين الأمومة والإبداع بشتَّى أشكاله، وإذا وجدت صعوبات تواجه الأم المبدعة فإنَّ أهم هذه الصعوبات يتمثَّل في الوقت وكيفية إدارته، وهذه مسألة يسهل التغلب عليها إذا أُحسن التعامل معها، فإدارة الوقت في زمننا أصبحت علماً وفناً يمكن تعلمه وتطبيقه.

كنا نظنُّ أنَّ المبدعات سيشتكين مشاركة الإبداع الأمومة والعكس حين تساءلنا عن مدى تأثر الإبداع بالأمومة، وهل أضافت لهن الأمومة ثراءً في مشروعهن الإبداعي؟

أمُّ حسان الحلو تبادر بالقول: الأمومة فجَّرت الإبداعات لديَّ، إذ إنني لم أفكر في الكتابة قبل أن أصبح أماً لطفلين.

أمَّا الشاعرة زينب المسعود فتقول: لا شكَّ أنَّ الأمومة تثري المشروع الإبداعي بقدر ما تنال منه، بل إنَّ الأم المبدعة هي أحرى النَّاس بأن تنهض بأدب الطفل الذي ما زلنا نعاني نقصه، ورغم كثرة المهتمين به، إلاّ أنَّهم بعيدون عن الرؤية الإسلامية لهذا المشروع!

في السياق نفسه تمضي خديجة مفيد فتقول: الأمومة وسيلة لسبر أغوار الأحاسيس والمشاعر التي هي أساس البناء الأدبي ووسيلة لإثراء الفضاء الأدبي بكلّ أبعاده، وحافز كبير لتقوية مساحة الخيال ومستوى الإدراك وعمق التجربة الإنسانية.

وتتفق وفاء السبيل مع الآراء السابقة بقولها: إنَّ تجربة الأمومة تجربة غنية وتزيد حياة المرأة ثراء، وبالنسبة لي فقد أضافت لي الأمومة الشيء الكثير، بل إنَّها جعلتني أتجه نحو مجال ما كنت لأتجه إليه لو لم أكن أماً، وهو البحث والكتابة للطفولة ومن أجلها.

تبدو الأمور في انسجام تام وتحمس شديدين من جانب المبدعات، لكن كيف لهؤلاء المبدعات الوفاء بحاجات أطفالهن، وتعويدهن معايشة الجو الإبداعي الذي قد يستأثر بجلّ وقت أمهم ولا يتركها لهم إلاّ في القليل النادر. كيف يتفهَّم الأبناء هذه المهمة وهذا الدور الذي تؤديه أمهم؟

بطريقة ذكية ومحاولة منها لاستدراج أبنائها إلى دوامة الإبداع الجميلة تقول أمّ حسان الحلو: أهييء الجو الإبداعي لنفسي بعد تهيئة الجو الإبداعي لأبنائي أولاً، حتى يكونوا مبدعين ومتفوقين وفاعلين.

أمَّا خديجة مفيد فلأنَّ أولادها في سنّ صغيرة لا تسمح لهم بإدراك أهمية توفير المناخ المناسب للإنتاج الفكري أو الأدبي، فإنَّها تستغل أوقات نومهم وذهابهم إلى الروضة لتنسج أفكارها وتسطرها في هدوء تام.

الشيء نفسه تفعله وفاء السبيل لكن بطريقة مختلفة، فهي تقول: إذا أشبعت الأم حاجات أبنائها وقدَّمت رعايتهم والاهتمام بهم على كل شيء، فإنَّ الأبناء في المقابل سيوفرون المناخ المناسب لأمهم المبدعة. فعندما يبكي الطفل الصغير عندما تنشغل عنه أمَّه بالكتابة مثلاً، لا بدَّ لها أن تفهم أنَّ طفلها بحاجة إلى اهتمامها، لذلك فإنَّها عندما تترك ما بيدها وتعطيه جزءاً من وقتها فإنَّه سيلهو عنها، ولن يقاطعها؛ لأنَّه أشبع حاجته، ومن المهم أن تُعلِّم الأم أبناءها ـ خصوصاً إذا كبروا ـ أنَّ هناك وقتاً خاصاً بهم وآخر خاصاً بها تحتاج فيه إلى عدم المقاطعة. كما أنَّ الأطفال إذا تعوَّدوا النوم المبكر بعد صلاة العشاء، فإنَّ هناك فسحة من الوقت الهادئ الذي تحقق فيه الأم ما تريد.

قالت أم حسان: قالوا في السابق: وراء كل عظيم امرأة، واسمحوا لي بأن أكمل هذه العبارة بقولي: وراء كل امرأة ناجحة رجل عظيم. وأذكر هنا مثالين لتعاون زوجي اللامحدود معي، الأول: عندما كان زوجي يأخذ بدايات أعمالي الإبداعية ويعرضها على بعض الأساتذة الكبار، فينتقدونني ويوجهونني. والثاني: عندما دُعيت لملتقى الأديبات الإسلاميات الأول في القاهرة عام 1999م ورفضت الدعوة بحجَّة أنني أم لثمانية أبناء أصغرهم عمره سنتان، وأيَّدني جميع الأهل إلاّ زوجي الكريم، فقد أبدى استعداده التام لتحمل مسؤولية العائلة وإقناع أقاربنا بذلك، والحمد لله كانت رحلتنا موفقة ومثمرة جداً.

لكن زينب المسعود ترى الموضوع من زاوية أخرى فتقول: الأديبة كثيراً ما تتنازل عن أغلب حقوقها ثمناً للإبداع، والزوج يستطيع أن يفعل أشياء كثيرة ليتعاون مع زوجته الأديبة، ولعلَّ أبسط تلك الأشياء التغاضي عن تقصيرها في بعض حقوقه، ورغم بساطة هذا المطلب إلاّ أنَّه يبدو صعباً إذا ما نظرنا إلى أنَّ الزوج إنَّما اختار الزواج لأجل السكن النفسي والاستقرار العاطفي، فلا يجب أن تلقى المرأة على عاتق الرجل كلّ العبء في تأخر مشوارها الإبداعي؛ لأنَّه هو الآخر بحاجة لمن يشدّ عضده ويقف معه في مشوار حياته.

والكلام كثير حول تعاون الأزواج مع زوجاتهن المبدعات يأخذنا إلى ما قالته وفاء السبيل عن زوجها: سأعطيك مثالاً يبين تعاون زوجي معي، عندما فاز بحثي الذي قدَّمته لإحدى الجوائز الخليجية وتطلَّب ذلك حضوري لاستلام الجائزة، قام زوجي بمرافقتي مع أبنائي لحضور تلك المناسبة، وتكرَّر ذلك عندما فازت مجموعتي القصصية (حكاية أمونة) بجائزة أندية فتيات الشارقة لقصة الطفل عام 1421هـ، وكان لهذه الوقفة أكبر الأثر في نفسي، وفي تقديم الدعم والمساندة لي من قبل زوجي.

والأمر لا يختلف كثيراً عند خديجة مفيد التي قالت: زوجي هو مصدر الإيحاءات؛ لأننا تكون لنا جلسات تأمل وتفكر أو تداول الأفكار التي تُسفر عن إبداع فكرة تكون محور مقالة أو محاضرة أو بحث.

تقول زينب المسعود: كثيراً ما تشعر المبدعة بالخوف من أن يكون زوج المستقبل منغلق الفكر، ومن ثم يكون حجر عثرة في طريقها الإبداعي، وهو خوف له ما يبرره ، إلا أنه وفي هذا الوقت بالذات لم يعد لهذا القلق داع، فالرجل اليوم يعي دور المرأة جيداً، وتأخير الزواج غير منطقي على الإطلاق ولا يحل المشكلة. بل على العكس كثيراً ما يمنح الزواج المرأة آفاقاً أخرى ويمدَّها بقضايا ومواقف تصلح للنقاش الأدبي ممَّا يوفِّر لها عناء التجديد في موضوعاتها.

وتتفق خديجة مفيد جزئياً مع زينب المسعود فتقول: فطرة المرأة التي تقتضي أن يكون الرجل قوَّاماً عليها تجعلها لا ترضى من هو أقلّ منها وأضعف منها شخصية عند عموم النساء، وعند النساء المبدعات والمشتغلات بالمجال الفكري تكون المسألة أعقد، فهي ترغب في رجل تتجاوب معه فكرياً وتحسَّ بأنَّه أكبر منها ليس في السن، وإنَّما في الشخصية وفي الوجود حتى يملأ قلبها وعينيها، وهذا هو سر التردد عند هذا النوع من النساء.

في الاتجاه نفسه تقول أم حسان الحلو: الزواج يلبس المبدعة أثواباً من السكينة القلبية والاستقرار النفسي، ثم إنها تدرك أبعاداً أخرى لحياتها الانسانية، وبذلك يتعمَّق إبداعها ويثمر، أمَّا ما يدفع البعض لتأخير الزواج أو إلغائه بالكلية ليس له علاقة بالإبداع، بقدر ما هو تعبير عن التوجس من القرين المقترح، وقد أجد لها بعض المبررات.

وتختتم وفاء السبيل الكلام حول هذا الموضوع بقولها: لا أعتقد أنَّ هناك تعارضاً بين الزواج والإبداع عند المرأة، بشرط أن يكون الزواج ناجحاً والحياة الزوجية مستقرة.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...