الاكتئاب: أنفلونزا الحضارة

عالم الأسرة » همسات
13 - محرم - 1439 هـ| 04 - اكتوبر - 2017


1

لقد أصبح التزامن بين ظهور التكنولوجيا الحديثة، وزيادة المشكلات النفسية أمراً ظاهراً للعيان. ويُشير بشكل واضح إلى التناسب الطردي بينهما في اتجاه واحد، فكل زيادة في التقدم الحضاري، تتزايد معها المشكلات النفسية بشكل عام، والوجدانية بشكل خاص كالاكتئاب والقلق.

فقد وصل عدد مرضى الاكتئاب إلى نحو 7% من سكان العالم؛ بحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية، خلال السنوات القليلة الماضية، والتي تتوقع وصول هذه النسبة إلى 10% خلال الأعوام القادمة. وفي ذلك إشارة على أن ملايين من الناس يعانون من الاكتئاب بدرجاته المختلفة.

ورغم أن هذه الأرقام تبدو كبيرة، إلا أنها في الواقع تُظهر فقط ممن توجهوا للعلاج النفسي، ولا تشمل من أنكروا مشكلتهم، وفضلوا الصمت مع المعاناة على العلاج. وكذلك لا تشمل من تشكل الاكتئاب لديهم في صورة أمراض وشكاوى جسدية، وهي ما تُسمى بالاكتئاب المقنع نتيجة إخفائهم لحقيقة مشاعرهم، في محاولة للتعايش معها؛ مما جعلها تظهر على أجسادهم بشكل أعراض مختلفة.

والعوامل التي تربط بين الاكتئاب والتقدم الحضاري كثيرة، من أهمها: محدودية التواصل الاجتماعي المباشر، مع الانفتاح والتغير الكبير في المحيط البيئي والأسري. الذي أنتج الإحساس بالغربة النفسية، وصعوبة الاندماج الاجتماعي بين أفراد المجتمع الواحد.

بالإضافة إلى كثرة المسؤوليات والضغوط التي تجعل من الجميع، وكأنهم في حالة سباق مع الزمن، وتنافس مع النفس والآخرين؛ لتحقيق الذات على المستوى الشخصي والمهني. واعتبار أي إخفاق بمثابة كارثة قد تُفقدهم الكثير من طموحاتهم ومكانتهم الاجتماعية والوظيفية. فضلاً عن تعاظم الحياة المادية على حساب الحياة الروحية والاجتماعية. مما أنتج معاناة للكثيرين من فقد دفء الأحاسيس الإنسانية، فأصبحت أجسادهم تتحرك وتعمل كآلة، تُنجز وتُصارع تسارع الوقت، وهي خاوية من المشاعر الإنسانية، ومحرومة من الدفء الاجتماعي، والأنس الروحاني.

ولا يُشكل الاكتئاب مجرد الحزن العابر. فكلمة الاكتئاب تطرق مسامعنا كثيراً بشكل أو بآخر؛ لترمز إلى حالة الحزن التي يعاني منها البعض في مواقف الحياة المختلفة. بينما الاكتئاب المرضي يختلف في بعض تفاصيله عن مجرد الحزن العابر؛ ليمتد فترات زمنية طويلة، وبأعراض واضحة، تؤثر على المستوى الفكري والسلوكي والوجداني بشكل سلبي. وعلى جودة الحياة بشكل عام. فالحزن والضيق المستمران والمصحوبان بنوبات بكاء أحياناً، مع اضطراب في النوم والشهية للطعام، وانخفاض الطاقة والرغبة في الحياة، والانسحاب الاجتماعي نحو العزلة، مع نظرة سوداوية للذات والمستقبل، تُعد من أهم أعراض الاكتئاب.

وتظهر خطورة الاكتئاب على الفرد والمجتمع، إذ إن الاكتئاب بدرجته الشديدة، قد يدفع المريض للتفكير في الانتحار، وبالتالي يستوجب العناية والرقابة للمحافظة على حياته.

بالإضافة إلى كونه من أكبر عوامل الإعاقة للفرد، ونسبة زيادته في أي مجتمع لا تعني حدوث شلل في شريحة من شرائحه فقط؛ إنما تُشكل ضغوطاً وأعباءً نفسية ومادية عليه، لما يحتاجه من رعاية طبية وأسرية على مستوى الفرد والمجتمع. فبدلاً من أن تكون هذه الشريحة مصدر عطاء للمجتمع، لتدفعه نحو النمو بشكل أفضل، تُصبح عبئا يحتاج للمجتمع كي يدعمه.

كما أن حالة الجمود واللامبالاة التي تسيطر على المكتئب تفرض عليه التخلي عن أعماله ومهامه الحياتية، وحتى العناية الشخصية، مع فقدان الحماس والقدرة على بذل أي مجهود، لذا فإنه يُعد السبب الرابع للإعاقات في الوقت الحاضر، ومن المتوقع بأن يصبح المرض الثاني للإعاقات خلال الأعوام القليلة القادمة بعد أمراض القلب، وذلك وفق منظمة الصحة العالمية.

إن التحدث عن هذه الإحصائيات لا يهدف الى المزيد من القلق والاكتئاب، إنما يهدف لزيادة التوعية لآثار الحضارة على الإسان عند إساءة استخدامها. وذلك في محاولة لتغيير أساليبنا الحياتية للوقاية منه. ومع ذلك فإن ظلال الحضارة أمدتنا بالكثير من الميزات التي بانغماسنا الشديد بها، خسرنا بعض جوانب المتعة في حياتنا، رغم توفيرها للرفاهية بكل أشكالها.

لذلك فإن أهم أساليب الوقاية والعلاج: تبدأ بالبعد عن مسبباته قدر المستطاع، بتغيير بعض أنماط حياتنا العصرية، فالاعتدال في حياتنا؛ يُحدث التوازن النفسي المطلوب؛ للمحافظة على الصحة النفسية. وذلك بالحد من التكنولوجيا، وتقنين استخدامها لتحسين العلاقات الاجتماعية والتي لها أثرها البالغ على الصحة النفسية بالقضاء على الوحدة، عن طريق الحد من الانعزالية خلف وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تُوثق أنه كلما زاد التواصل من خلالها كلما كان على حساب التواصل على أرض الواقع.

كما أن الحفاظ على قدر مناسب من الحياة الاجتماعية: يعطي الشعور بالأهمية ويفرغ الطاقة السلبية، ويحمي من التسارع المادي الجامد الذي يشكل بيئة جيدة للاكتئاب؛ نظراً لفقدان الكثير من المشاعر الإنسانية الضرورية للعيش كإنسان طبيعي.

كما وينبغي أن يكون التوجه إيجابيا في الاستفادة من الجانب الحضاري، فهي ليست لمتابعة الآخرين والتعرف على تفاصيل حياتهم؛ لمقارنتها بحياتنا، واستشعار الأسى حول ما نعتقد أننا نفتقده؛ بل هي لزيادة الحصيلة المعرفية، والتعرف على العالم بشكل عام، والاستفادة بالجوانب المضيئة منه.

بالإضافة إلى أن الروحانية وحسن التوكل على الله: تمنحان هالة من الطمأنينة والرضا والتي تحد من الأفكار السلبية، التي تغزو أفكارنا فتكون بذرة لنمو الاكتئاب في بيئة حضارية خصبة.

وبالرغم من أن الاكتئاب معلم من معالم الحضارة، إلا أن سلوكياتنا وأفكارنا تحد كثيراً من مسبباته وأخطاره على صحتنا. وعلينا أن نثق بأننا سنكون دائماً بخير -بإذن الله- عندما نجعل الحضارة بكل ما فيها من ماديات في خدمتنا؛ لنرتقي ديناً وعلماً. دون أن نقلب المعادلة لنصبح نحن في خدمتها فتكون عبئاً علينا.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...