البراءة تشتكي .. فهل من منقذ ؟!

عالم الأسرة
19 - محرم - 1424 هـ| 23 - مارس - 2003


البراءة تشتكي .. فهل من منقذ ؟!

بقلم : سحر فؤاد

 

لم نكن نأمل أن يأتي اليوم الذي يفقد فيه الطفل المسلم الشعور بالأمان حتى وهو في حضن أمه أو أبيه !

بالأمس جاءت حادثة قتل الطفل محمد الدرة لتعتصر قلوبنا جميعًا، واليوم شاهدنا الأطفال العراقيين يصابون وهم في حجور أمهاتهم !! فحروب اليهود والصليبيين لا تميز فينا بين مدنيين وعسكريين ، والقصف والنيران تستهدف الأخضر واليابس والبشر والحجر!!

 

في الحروب الهمجية الحديثة تعرض المدنيون لجحيم الحرب وكان للأطفال نصيب موفور من ويلاتها من قتل وإصابة وتشوه ، بل وخطف واعتقال وتعذيب واغتصاب ، وذلك في خرق سافر لكافة الشرائع السماوية والوضعية التي تنهى عن قتل المدنيين الأبرياء ! وما يجري الآن في العراق  وفلسطين المحتلة خير شاهد ؛ فطائرات العدو تقصف منازل المدنيين ومدارس الأطفال بل وحتى المستشفيات ! والبعض يشجب والآخر يستنكر والثالث يعتصر ألما والرابع ... والخامس ... وآخرون يلتزمون الصمت !

 

والآن يتقافز إلى أذهاننا ألف سؤال وسؤال حول كيفية التعامل مع أطفالنا في ظل هذا الواقع الأليم !

 إ

إنها حيرة الكبار حين يتعاملون مع الصغار في مثل هذه الظروف القاسية ، فالأطفال جزء من العالم يعايشون أحداثه ويتأثرون بنتائجها ، ومع هذا فالحرص والقلق عليهم يدفعنا للرغبة في أن نحميهم من شرور وآثام الكبار !  فكيف نحيا مع أطفالنا مرارة الأحداث ؟ وهل نعرضهم لمشاهد القتل والاعتداء على الشعوب العزل؟ وما الآثار النفسية المترتبة على ما يتعرضون له... أسئلة كثيرة تبحث عن إجابات ..

 

·    خبرات قاسية

يقول علماء النفس : إن الأطفال الذين يعيشون ظروف الحرب يتعرضون لخبرات قاسية وضغوط نفسية شديدة تؤدي إلى تشوهات في نموهم العقلي والنفسي وتغتال طفولتهم البريئة، فتجعلهم يشيبون قبل المشيب .

ففي سراييفو – حيث جرح واحد من بين كل أربعة أطفال أثناء الحرب مع الصرب والكروات – قامت اليونيسيف بإجراء دراسة على عينة قوامها 1505 طفل كان من نتائجها أن 97% من هؤلاء الأطفال قد شهدوا قذف مناطق قريبة منهم، وشعر 29% منهم بحزن عميق ، ورأى 20% منهم أحلاماً مرعبة،  بينما ذكر 55% أنهم أطلقت عليهم نيران القناصة، و 66% منهم مروا بحالات ظنوا فيها أنهم سيموتون .

 

ويتعرض الأطفال أثناء ارتحالهم كلاجئين إلى أوضاع مأساوية من الجوع والأوبئة الفتاكة التي تقضي على الكثيرين منهم، لا سيما أن الهياكل التنظيمية التي أنشأتها الأمم المتحدة لإيصال إمدادات الإغاثة إلى الأهالي في مناطق الحرب متخلفة وبطيئة وقاصرة عن التعامل الفعال مع حالات الطوارئ !

 

ويعتبر العنف الجنسي من الممارسات المعتادة أثناء الصراعات العرقية والطائفية.  ففي حرب البلقان 1992 – 1995 أضحى اغتصاب الفتيات المسلمات المراهقات سياسة متعمدة لإجبارهن على الحمل من أعدائهن وإهدار كرامتهن وإذلالهن بهتك أعراضهن. وقد قدرت إحدى فرق تقصي الحقائق الأوربية أن أكثر من 2000 امرأة وفتاة مسلمة قد تم اغتصابهن في البوسنة منذ نشوب القتال في أبريل 1992م .

وفي يوغسلافيا قامت القوات الصربية في أواخر شهر مارس 1999م ضمن مخطط التصفية العرقية باختطاف عدد كبير من الفتيات الكوسوفيات وهن في طريقهن إلى مقدونيا، ثم احتجزتهن في معسكرات تدريب صربية حيث تعرضن لاغتصاب منظم من جنود صربيين !

 

ويؤكد علماء النفس أن الخبرات القاسية التي يمر بها الإنسان في مرحلة الطفولة تظل تنتج آثارها على سلوكه طوال حياته، فقد تفضي به إلى الصرع أو الهذيان أو الخوف أو الكوابيس المزعجة أثناء النوم. وبعض الأطفال تتولد لديهم ميول عدوانية من جراء هذه الخبرات .

 

ويرى أساتذة الصحة النفسية أن الأطفال المعرضين للإصابة بصدمة الحرب يعانون من العديد من المشاكل العصبية النفسية، مثل الأفعال والحركات اللاإرادية التي تصدر عن أعضاء الجسم، كاليدين أو الرجلين أو الكتفين أو العينين أو الفم والأسنان والأصابع، والنهوض مفزوعًا من النوم، وقلة الشهية للطعام ، والابتعاد عن الناس واللجوء للصمت والرغبة في البكاء، والكثير من هؤلاء الأطفال تكون عواطفهم جامدة وعلاقتهم بإخوتهم غير قوية، ويميلون للمشاحنات مع زملائهم، ويكونون أكثر عنفًا أثناء اللعب، ولديهم رغبة في تدمير الأشياء وتخريبها.

 

أما عن الأطفال الذين يفقدون أحد ذويهم في الحروب يقول المختصون: إن الأهل دائمًا ما يودون حماية الأطفال من الشعور بأي ألم؛ ولذلك يظنون أن إبعاد الأطفال عن مشاهد الحزن وعن أمور الحداد.. والجنازة.. وعزلهم عن طرق إظهار الكبار لأحزانهم… يحميهم، ولكن ذلك يجعل الأمر أصعب بالنسبة للأطفال؛ حيث يشعرون بوحدة أكبر، إذ أن الأطفال أيضًا يحزنون بشدة. وربما يأخذ شعور الحزن لديهم شكل نوبات قصيرة، فهم يمتلكون مخدرا طبيعيا ضد الألم؛ فلا يستطيعون تحمله فترات طويلة، وهو ما يخلق خلطًا لدى الأهل؛ إذ يظنون أنهم بخير، بينما الأطفال يدخلون ويخرجون من حالة الحزن سريعًا.

ويرى الخبراء أنه في مثل هذه الحالات لا بد وأن يتعلم الأطفال كيف يتعاملون مع مشاعر الفقدان؛ ولذلك يحتاج الآباء لخلق فرص للحديث عن الخسارة والفقدان حتى وإن لم تكن الحادثة حادثة موت لتكن حينما تتساقط أوراق الأشجار، أو يموت قط المنزل، أو يفقد الطفل فرصة مشاهدة برنامجه المفضل، إن الموت هو أشد حالات الفقدان، ولكن عليهم أن يتعلموا أن الحياة بكاملها تمتلئ بدورات من الفقدان .

 

وسط تداعيات الأحداث الأخيرة في العراق والأقصى والأراضي المحتلة ، والتكثيف الإعلامي لمتابعة الأحداث وعرض التفاصيل المأساوية لها يسأل كثير من الأمهات والآباء عن الأضرار النفسية التي تقع على الطفل جراء مشاهدة العنف المتكرر الذي يعرض على شاشة التلفاز ؟ وهل نمنعهم من رؤية هذه المشاهد ؟ وإذا ما منعناهم كيف يمكننا بناء  وعي هذا الجيل الجديد؟

 يرى أساتذة علم الاجتماع أنه ليس هناك سنة عمرية محددة يمكن بعدها رؤية ذلك الذي يعرض على شاشات التلفاز من قتل وجرح، و تدمير للمنازل وحرق للمساجد، فعلى كل أم أن تتعرف على شخصية طفلها، ومن خلال معرفتها تستطيع هي أن تحدد قدرته على تحمّل مثل هذه المناظر، فهناك الطفل المفرط في الحساسية، وهنا في المقابل الطفل ذو الشخصية الجادة أو الشخصية التي عندها نوع من أنواع الوعي.

وقد اختلف علماء التربية حول السن الذي يستطيع الطفل فيه أن يرى مشهدًا مأساويًّا دون أن يتعرض لضرر نفسي، يسبب له بعض الاضطرابات النفسية فيما بعد، فالبعض رأى سن الثانية عشرة هو السن المناسب، ورأى آخرون سن العاشرة، وفريق ثالث يرى سن التاسعة، لكن على أية حال حذَّر معظمهم أن يكون ذلك قبل سن الثامنة، ويرى فريق آخر أن الأمر يتوقف على عدة عوامل منها: البيئة (فأطفال البيئة الصحراوية والريفية أكثر تقبلاً لهذه المشاهد من أطفال البيئة المدنية)، والاتجاهات الوالدية،  وطريقة التنشئة وترتيبه بين إخوته، أو تعرض الطفل لبعض الظروف القاسية....

 

ويقول الخبراء أنه من الطبيعي أن تمتلئ القنوات التلفزيونية بمشاهد الرعب والحزن في مثل هذه الظروف المأساوية ، و يرى الغالبية العظمى منهم أنه لا بأس من مشاهدة الأطفال لهذه المناظر ، فما يحدث يعد جزءا من التاريخ، ولا يمكن تجاهله ، ولكنهم ينصحون الأهل بالجلوس مع أطفالهم أثناء المشاهدة ؛ ليشرحوا لهم ما حدث ويساعدوهم على تفهم الأمور، أما إذا كان الأطفال ميالين إلى القلق فلنحد من وقت المشاهدة، ولنضع في أذهاننا أننا كبالغين لدينا من مصادر الخبرة والمعرفة ما يعيننا على تعقل الأمور بعكس الصغار، ومن المهم ألا يتعرض هؤلاء الأطفال لمثل هذه المشاهد بشكل تكراري".

وعلى الآباء أن يتوقعوا العديد من الأسئلة التي تدور في أذهان الأطفال والقلق الذي يستبد بهم بعد مشاهد العنف التي يرونها، وهم في مواجهة ذلك يجب أن يكونوا مباشرين وأمناء في شرحهم لحقيقة ما يحدث، على أن تكون المعلومة مناسبة لأعمار الأطفال وتقدم لهم بشكل هادئ و بألفاظ مفهومة لديهم.

من ناحية أخرى يقول أساتذة الطب النفسي : يجب ألا نجبر أبناءنا على الحديث عن الحرب وما يرونه من مشاهد عنيفة إذا لم يودوا ذلك، أما إذا ما فعلوا فعلينا أن نترك لهم فرصة التعبير عن مشاعرهم: لنجعلهم يرسمون ويكتبون القصص إبرازا لما يعتريهم من أحاسيس" ، والأهم من ذلك أن نقضي معهم بعض الوقت، نضمهم إلينا ونقبلهم ونحاول أن نخبرهم بأن ما يشعرون به من خوف أو قلق هو أمر طبيعي ينتاب الجميع، وأن العالم يبدو أحيانًا مكانا مخيفا، لكنه يظل مكانا آمنا أغلب الوقت.

غرس القيم

كثيرا ما يسأل الأطفال : لماذا تقع هذه الأحداث المؤلمة للمسلمين أو في بلاد المسلمين على وجه الخصوص ؟ وينصح التربويون باستغلال هذه الأسئلة في غرس بعض القيم كأن نرجع السبب في ذلك إلى تفرق المسلمين وعدم وحدتهم وبعدهم عن دينهم وحرصهم على الدنيا وكراهيتهم للموت وكثرة الذنوب والمعاصي ..  وغير ذلك من أسباب الهزيمة ..

من ناحية أخرى لابد أن نزرع في نفس الطفل الأمل في النصر والأخذ بأسبابه ، وتوضيح دوره في هذا الصدد وليكن ذلك بالدعاء والمقاطعة لبضائع الأعداء ، وهذا ليس بالأمر الصعب على الأطفال كما يتخيل البعض إذ يمكنهم استيعاب ذلك بضرب الأمثلة ، كأن نقول له : إن اللص الذي قتل اهلك واستحل حرمة بيتك واستولى عليه  دونما مراعاة لحقك وخصوصياتك ومشاعرك يلوح لك الآن  بمأكولات جميلة محببة إلى نفسك، يريد أن يبيعها لك ليأخذ المال الذي تدفعه لشراء بندقية؛ ليقتل بها إخوانك ، أتحب أن يحدث ذلك لك ؟ ألا تسمع قول الرسول صلى الله عليه وسلم "لا يُؤْمِن أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِه"...

وإذا كنا نريد طفلاً مسلما واعيا ومتعلمًا وقويًّا، علينا أن نتعلم كيف نربي أنفسنا وأبناءنا على أن نكون أحرارًا من شهواتنا، أحرارًا من القيود.

علينا أن نربي أبناءنا على أن يكونوا ذوات أنفس أبية حرة ، مع مراعاة أن البناء لن يتم خلال لحظات، وإنما يحتاج إلى استمرارية، فالجذور عليها أن تمتد إلى باطن قلب الطفل، فنحن نريد أن نزرع بداخله "الوعي" ، ولا ننسى أن ذلك لن يتأتى إلا بالقدوة الحسنة .

   



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...