التحسس الزائد والظنون السيئة بالآخرين!

عالم الأسرة » همسات
06 - جمادى الآخرة - 1441 هـ| 01 - فبراير - 2020


1

إن الطفل ذا السنوات الخمس لايزال يعيش في داخلنا بأفكاره المغلوطة، ولايزال يتحكم في بعض تصرفاتنا حتى الآن، و لكن تتفاوت درجة التحكم ونوع الصفات من شخص إلى آخر، فمنهم من يتحكم فيه طفله الصغير في صفة الأنانية، ومنهم من يتحكم فيه طفله في صفة العصبية، ومنهم من يتحكم فيه طفله في صفة الخوف الزائد حتى من أضعف الحشرات، ومنهم من يتحكم فيه طفله في حساسيته المفرطة، التي هي موضوعنا اليوم..

لا نتكلم عن الشخصية الحساسة بمعنى العاطفية، التي تشعر بآلام الآخرين، وتتعاطف معهم، فهذه صفة إيجابية بكل تأكيد، لكن الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، فالشخصية الحساسة التي نعنيها هي التي لا يتحمل صاحبها النقد مهما كان يسيرا، و تؤلمه بشدة أبسط التعليقات التي ترتبط بشخصه، فربما يحزن طول اليوم من نظرة لم يقصد بها صاحبها شيئا، أو ينزعج جدا ممن نسي أن يقول له: شكرا حين كان يجب عليه أن يقولها، وإذا قلت له هل فهمتني؟ يعتبرك تتهمه بالغباء، وتحتاج في كل مرة أن تحلف له أنك لم تقصد الإساءة إليه، وإذا نصحته لم يتحمل نصحك واعتبرك تنتقص من قدره، وإذا مدحته فسر مدحك على أنك تراه طفلا واعتبرك تستخف به، وإذا اتصل عليك ولم ترد يستفهم منك لاحقا بتشنج واسترابة، أما إذا كنت أنت المتصل ولم يرد، تشنج أيضا وانفعل، إذا استفهمت منه عن سبب عدم الرد!

فلو أعطاه شخص علكة نعناع ليمضغها، على سبيل الهدية، ربما قفز إلى ذهنه التشكك في نوايا صاحبه، لماذا اختار أن يهديني علكة النعناع؟ هل يتأذى من رائحتي؟ أم يقصد أن يكيدني؟ ثم يتذكر نظرات عينيه وطريقة إعطائه له ليفسرها في صالح شكوكه، ويضخم من الأمر وينساق وراء سوء ظنه، ثم يصدق نفسه في النهاية ويضيق صدره.. و تتوتر أعصابه.

إن الشخص الآخر ما فعل معه شيئا، سوى أن أهداه علكة النعناع، أما هو الذي استيقظ الطفل بداخله، لكي يفسر الحدث بطريقة طفولية ساذجة بالغة الحساسية، حتى ذهبت به الظنون كل مذهب. إنه مسكين يستحق الرثاء!

وإذا حاولت أن تقترب منه، وتسمع له سيقول لك: إنهم يتعمدون مضايقتي؟

والحقيقة (صديقي الحساس) أنه ليست المواقف هي التي تضايقنا، وإنما تفسيرنا للمواقف هو الذي يضايقنا، المشكلة ليست في الأحداث التي تمر بنا، المشكلة في تفسيرنا لها، إننا لن نستطيع أن نتحكم فيما يقوله أو يفعله الآخرون، لكننا نستطيع أن نتحكم في طريقة استقبالنا لأقوالهم وأفعالهم.

إنك ياصديقي تحتاج أن تتواصل بطريقة أكثر عمقا، مع الطفل الذي بداخلك، حتى تعيد برمجته على المرونة في التفكير، والنظر للمواقف من زوايا عدة، فالمواقف التي تمر بنا ليس لها تفسير واحد، هناك تفسيرات كثيرة محتملة، وخبرتنا في الحياة أثبتت لنا كم كنا خاطئين في تفسير أكثر المواقف والأحداث التي تحيط بنا.. ففي مثال علكة النعناع، من الممكن أن تتناقش مع نفسك بهدوء أو قل مع الطفل الذي بداخلك محاولا أن تحاوره وتعقله: لماذا تكدرت مشاعرك حين أعطاك هذه الهدية؟ سيجيبك الطفل: لأنني فهمت من هذا الموقف أنه يقصد أن يقول لي أن رائحتي غير طيبة، فقل له: ولماذا فسرت الأمر هكذا، هل هو قال لك ذلك؟ سيقول لك الطفل: لا لم يقل لكن نظرات عينيه قالت ذلك، قل له : أنت من أردت أن تقرأ في نظرات عينيه ذلك، ثم قل له: هل لو قابلني الآن أحد الأشخاص الذين لا أحبهم، هل سأشتري له علكة النعناع وأنا لا أحبه.. هل ذلك من المنطق؟ أنا لن أفعل ذلك إلا مع شخص أحبه وأقدره، أما غير ذلك فإنني سأتجنبه ولا أتعامل معه، ثم قل له: إذن من المؤكد أن صديقي، فعل معي هذا بدافع الحب! لماذا فسرت الموقف على أنه فعله بدافع الكره، ثم إن علاقتي به لا يوجد بها ما يدعوه لمكايدتي.

ثم قف مع الطفل بداخلك وقل له بلوم: لماذا تحمل الأمور أكثر مما تستحق، لماذا لا تبسط الأمور مثل بقية الناس، لماذا لا ينضج تفكيرك، ليتناسب مع عمرك، إن نفسيتنا حين تكون غير طيبة، أسوأ ألف مرة من أن تكون رائحتنا غير طيبة.. فطهارة الباطن تفضل طهارة الظاهر!

لاشك أن هناك صعوبة في الصراع بيننا وبين الطفل بداخلنا، إنه ليس مجرد طفل، إن قوته أتت من طول المدة التي تركنا له القياد يتحكم في شخصيتنا، حتى أصبح عمرنا فوق الثلاثين أو الأربعين، أو ربما الخمسين، ثم نحن نريد الآن أن ننحيه هكذا بكل سهولة..

إن النفس التي تجاهد في سبيل تقويم شخصيتها على التفكير السوي، وتصحح ما استقر في أعماق طفولتها من أفكار سلبية، وتعاني في سبيل ذلك مرة بعد أخرى دون كلل ولا ملل، هي نفس عظيمة يحبها الله تعالى، وأقسم بها في كتابه، بل إنه قرن بينها وبين يوم القيامة من حيث عظمته وأهميته فقال(لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة).

فعلى قدر أهمية يوم القيامة في الآخرة، تأتي أهمية النفس اللوامة في الدنيا!

من السهل أن نستسلم ونقول هذه شخصيتنا، وهذا هو حظنا ونصيبنا، ومن يعجبه يعجبه، ومن لا يعجبه فليضرب رأسه في الجدار، فكل واحد له طبعه ولا يستطيع أحد أن يغير من طبعه مهما فعل، وهذا الكلام فخ من الشيطان لتيئيس عباده الصالحين عن إصلاح قلوبهم وتغيير ما بأنفسهم (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين).

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


إبراهيم جمعة

ل. آداب قسم اللغة العربية واللغات الشرقية

ليسانس آداب قسم اللغة العربية جامعة الأسكندرية سنة 1993
مرشد تربوي وتعليمي سابق بشركة الفرسان التعليمية
محرر صحفي ومشرف محور الأسرة والطفولة بموقع لها أون لاين
له عدد من المقالات الاجتماعية والحقائب التدريبية في مجال العلاقات الزوجية وتربية الأبناء


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...