التربية بالتأمل والتدبر

دعوة وتربية » نوافذ
23 - ربيع أول - 1438 هـ| 23 - ديسمبر - 2016


1

كتبت مقالات عدة في التربية؛ لأن التربية هي ثمرة العلم والمعرفة، ورائحته الزكية، وطعمه الشهي الهني، وهي التي يظهر أثرها في سلوك الفرد والمجتمع، وتظهر ميادينها في الفكر والعقل، وعمل الجوارح، وأعمال القلوب، وفي المشاعر والأحاسيس؛ وأي منهج لا يتحقق وجوده التربوي في هذه المجالات، لا قيمة له في الواقع؛ إذ يكون مجرد فلسفة عقيمة جوفاء ليس لها من الرصيد العملي قِيدُ أنملة.

     ومن هذا المنطلق اهتممت كثيرا بكتابة المقالات التربوية التي نشرت في موقع لها أون لاين، فجزى الله خيرا ناشريها، وكانت تلك المقالات تتناول الجوانب التربوية في موضوعات شتى؛ والأمم التي نجحت في حياتها عمدت أولا إلى إصلاح منهجها التربوي، ثم طبقته في حياتها فارتقت، ولكنني أعتقد بأن لكل أمة منهجا تربويا يصطبغ بثقافتها، ومخزونها المعرفي حتى قالوا: بأن لكل أمة عظيمة تربية خاصة، وفيها الغث والسمين، ومن هنا أركز على العبارة التي تقول: إن وراء كل أمة عظيمة، تربية عظيمة، خلافا لما كان يقال: إن وراء كل فرد عظيم امرأة مربية؛ وأظن أن العبارتين لا تعارض بينهما، حيث إن المرأة تناط بها مسؤولية التربية، سواء كانت أما، أم معلمة، أم أختا، أم جدة، أم مربية. ولا أريد الدخول في جدل مع أحد حول هذا الطرح الذي يوافقني عليه أشخاص ويخالفني آخرون.

     كثيرا ما نسمع قول الله تعالى: "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" (سورة محمد الآية 24) ولا نفكر لم دعانا الله تبارك وتعالى إلى التدبر في آياته؟

 

     وقبل الدخول في الموضوع لا بد أن نوضح المفهوم اللغوي لكلمة التدبر، ثم لماذا كان عكس التدبر هو أن نضع أقفالا على وسائل التفكير والقوى الروحية والعقلية التي وهبنا الله إياها.

     جاء في معجم الوسيط: دبَّر الأمر: وفيه: ساسه ونظر في عاقبته.... وتدبر الأمر وفيه: دبره.

 كما جاء في تفسير ابن عباس لمعنى قوله تعالى: "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ......": أفلا يتفكرون بالقرآن ما نزل بهم – الضمير يعود على أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم و......... وهم المنافقون الذين أعمى الله قلوبهم، وأصم آذانهم عن الهدى والحق.

 

     فالتدبر إذن هو التفكير المفضي إلى معرفة الحق، واتباع الهدى اللذينِ إذا آمن بهما أي عبد من عباد الله تعالى سوف يغيران حياته من الضلال إلى الهدى، ومن النور إلى الظلام، وسترى أيها الإنسانآثار هذا التحول في سلوك العبد، وتفكيره، وعقله، وعاطفته، واهتماماته، وطريقة حياته، وأسلوب استخدامه لجوارحه بما يرضي الله تعالى ورسوله. وما كان هذا  ليتأتى لولا ثمرة التدبر والتفكر في آي القرآن العظيم. وبناء على هذا فإن الصحابة في منهجهم التربوي ما كانوا ليستكثروا من القرآن؛ بل يأخذون القرآن عشرا عشرا عشرا، حيث يتدبرون كتاب الله تعالى، ويعملون بما فيه، فتظهر آثاره على سلوكهم، وجميع قواهم الروحية والعقلية والعاطفية، وعلى جوارحهم؛ فكانوا بهذا خير أمة أخرجت للناس.

 

     وكم نصحت أحبابي الذين يعملون في تحفيظ القرآن الكريم بأن لا يهتموا بالمنهج المعرفي على حساب المنهج التربوي: ولا سيما حفظ القرآن بسرعة دون الاهتمام بتدبره، ومتابعة هذا التدبر وآثاره في سلوك طلابهم، فيقسمون لهم القرآن إلى مقاطع تربوية؛ فإذا أتقنوا هذا المقطع، انتقلوا إلى آخر. ولا ريب بأن هذا عمل شاق، ولكن لا بد منه، إذا ما أردنا أن ننشئ جيلا قرآنيا فريدا متبعا سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. وهذا المنهج هو منهج ابن عبد الله  -  صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه.

وموضوع التدبر والتأمل مفتوح مستقبلا إن شاء الله تعالى، وهو ذو مجال واسع – فإن الله الحق وصف الكفار بالغفلة بسبب عدم االفهم والفقه والتدبر: "لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ"الأعراف179، إنهم عطلوا نعمة التدبر والتفكر؛ فحرموا من آثارهما، بينما نعم بها المؤمنون المتدبرون المتفكرون، فشتان بين من ينعت بأنه أضل من الأنعام، ومن هو عبد لله تعالى مطيع له، خاضع لأمره، متذوق نعمة الإيمان والإسلام، فرح بحياته سعيد بها مطمئن إليها حتى قالوا: "لو علم الملوك ما نحن فيه من السعادة، لجالدونا عليها".  

 

          أربع آيات في كتاب الله ذكرت التدبر لفظا بصيغ متنوعة، فالأولى في سورة النساء: "أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا" الآية 82 وقد جاءت بعد آيتين دعت الأولى إلى وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنها من طاعة الله تعالى، ثم عقبت على هذه الحقيقة ((مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا {4/80} وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً))، وإن التدبر في هذه الآية ليستجيش في قلب المؤمن حقيقة هائلة، تملك عليه أقطار نفسه، فإذا هو يعد السنة النبوية (قولا وعملا وتقريرا) منهاجا لحياته لا يستغني عنه، فيبادر إلى الاقتداء بهذا النبي الكريم والآية الثانية في سورة المؤمنون رقم 68 ((أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ))  وفي الآية 70 يقول سبحانه: "بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ"، والقول هنا هو القرآن وسبب الإعراض عنه، هو انصرافهم عن تدبره، فلو تدبروه جيدا، لما وقفوا منه هذا الموقف المعاند المكابر؛ بل تجاوزوا المواقف إلى السباب واتهام النبي بالجنون والتظاهر بأنهم لا يعرفونه!.

 

     إن الهوى والجهل والظلم والفسوق عطلت فيه أجهزة التدبر حتى وصلوا إلى الحالة التي نعتهم بها الحق جل جلاله، وكم حاد قوم عن منهج الأنبياء لأنهم لم يتدبروا ما جاء به هؤلاء الرسل من خير من ربهم؛ فكانت نهايتهم الهلاك والعذاب ولذلك قال ربنا: "وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ"المؤمنون 70 ، والذكر هنا هو القرآن.

 

     والآية الثالثة في سورة ص29 "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ", وهنا لفتة جميلة، حيث ربطت الآية بين العقل والتدبر فمن سخر عقله وتدبر القرآن، أصابته بركة القرآن ففيها المغفرة والرحمة لمن آمن به.

     وأما الآية الرابعة،: فهي في سورة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرت في بداية الموضوع، ولا بد من الإشارة إلى أن التأمل هو الوجه الآخر للتدبر، بل هما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر. ولقد جاء في معجم الوسيط ما يؤكد هذا ويشدد عليه، بل ويوثقه بزيادة في المعنى فيقول: تأمل: تلبث في الأمر والنظر، والشيء وفيه تدبره، وأعاد النظر فيه مرة بعد أخرى ليستيقنه.

وفي المقالات القادمة سنتوسع في عرض ثمرات التأمل والتدبر، مما سيكون له آثار في حياة المسلم في: سلوكه وتفكيره وعقله، وجوارحه، وقلبه، ونظرته إلى الحياة، واهتماماته وعلاقاته مع خالقه ومع نفسه والآخرين.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...