التربية بين العادة والعبادة

عالم الأسرة » شؤون عائلية
14 - ذو القعدة - 1438 هـ| 07 - أغسطس - 2017


1

الأبناء كلمة تعني الكثير والكثير للأمهات والآباء، وكيف لا؟ وهم بالنسبة لهم زهرة الحياة وزينتها، وسندهم عند الكبر، وفي الأزمات.

لكن على الرغم من ذلك: نجد الاهتمام بهم وبتنشئتهم، يقوم على عادات اعتاد عليها الوالدان، وتوارثتها الأجيال، فهم ينفقون جُلَّ وقتهم في توفير ما يحتاج إليه الأبناء من شراب, وطعام، وثياب، ونفقات للتعليم والجامعات.

ولا شك أن التربية بهذا المفهوم لن تُخرِجَ جيلا له سواعد، عليها تقوم المجتمعات، ناهينك عن إخراج جيل لا يتحمل حتى مسؤولية الذات.

لذا علينا أن نعيد برمجة مفهوم التربية في عقولنا من جديد؛ ذلك لأن للتربية أثرها العظيم على شخصية المتربي في كل وقت وحين؛ فهي تنقل صاحبها من معسكر إلى معسكر مناقض ومختلف عنه كل الاختلاف، ويتضح هذا جليا في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم حينما قال: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ"متفق عليه.

ومن هنا يتضح خطورة دور المربي، وأهمية تأهيله للقيام بهذا العمل العظيم، وفق القيم والتشريعات التي أقرها الدين الحنيف.

كما أن أَمرَ الله تعالى لنا في محكم التنزيل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ"التحريم 6.  

وإخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم لنا بسؤال الله كلَ راعٍ عما استرعاه، يجعل من واجبنا أن ننتقل بمفهوم التربية من العادة إلى حيز العبادة. فالأمر ليس هينا، فهناك سؤال يوم الحساب يحتاج أن نعد له من الآن جوابا، وهناك أمر رباني بأن نَقِي من نعولَ عذابَ جهنم، وجميع الشرور.

 ولن ننال ذلك إلا بفهم معنى التربية على الوجه الصحيح.

فالتربية تحمل بين جانبيها معنى التنشئة، وتعني الزيادة والنماء، وتعني التدرج.

أو كما قال البيضاوي: هي تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا.

          ومن هنا فالتربية لا تعني توفير الاحتياجات المادية فقط للأبناء؛ بل تعني النظر للأبناء في تربيتهم نظرة تتصف بالشمول والإلمام، بمعنى أنها لابد أن تهتم باحتياجات الأبناء العقلية، والروحية، والقلبية بالإضافة إلى الاحتياجات الجسدية.

ومن هنا يمكننا القول: بأن مجالات التربية أربع مجالات، لكل منها احتياجات يجب أن تسد من قبل الوالدين ألا وهي:

تربية الجسد: وتكون بتوفير الطعام، والشراب، والملابس من كسب حلال، والاهتمام بصحة الأبدان، وتعويدهم بعض الرياضات النافعة، وتحفيزهم على النشاط.

تربية الروح: وتكون بتزكية النفوس، وتعليمهم جميل الأخلاق، والمواظبة على العبادات والعمل بالطاعات.

تربية القلب: ويكون ذلك عن طريق تعليمهم العقيدة الصحيحة ومدارستهم القرآن، وحديث المصطفى عليه الصلاة والسلام، وسرد سيرة النبي الكريم والصحابة والتابعين، لتنشأ في قلوبهم محبة رب العباد، ويكون قدوتهم النبي عليه الصلاة والسلام.

تربية العقل: وذلك بتشجيعهم على القراءة والبحث، وتعلم العلوم الدنيوية النافعة، وتحفيزهم على التفوق والتميز في دراستهم، ومساعدتهم في تنمية مهاراتهم العقلية، وتعليمهم طرائق التفكير السليمة، وكيفية استخلاص النتائج.

ولاشك أن القيام بهذه الجوانب المتكاملة في التربية، يحتاج من الوالدين إلى إعادة ترتيب حياتهم، وتنظيم أوقاتهم، ليتوفر لديهم وقتا يَصحَبوا فيه الأبناء ويجالسوهم؛ ليعلموهم جميل الأخلاق، ويتابعوهم في أداء العبادات، ويحتفوا بتميزهم الخلقي والعقلي، وليتعرفوا على أصدقائهم ويشاركوهم أفراحهم، ويعينوهم وقت إخفاقهم.

كما أنَّ على الوالدين إذا ما رغبا في نجاح تربيتهم للأبناء: أن يقرؤوا في كتب التربية؛ ليتعلموا من طرقها مايعينهم على مشقة الطريق؛ فالتربية تحتاج إلى تنوع في الطرائق والأساليب بحسب المواقف والأطروحات التي لا تخلو منها ساحة المراهقين والمراهقات، وعليهم أيضا تفهم خصائص المراحل للأبناء، ما بين الطفولة والتميز والبلوغ، وتعلم كيفية التعامل مع مشكلات كل مرحلة لتمر بسلام.

بل وليس من الخطأ، ان يلجأ الوالدان لمتخصصين في التربية إذا عجزوا عن حل مشكلة؛ بل إن هذا واجب عليهم؛ لأن التعامل الخطأ مع مشكلات الأبناء قد يدفعهم إلى العناد، واختيار أصدقاء بالخارج ليسوا على المستوى الأخلاقي المطلوب.

وأخيرا: لنتذكر جميعا أن الأبناء هم الولد الصالح، والعلم النافع والصدقة الجارية إذا ما أحسنا القيام بعملية التربية وحولناها من مجرد العادة، إلى حيز العبادة لننال السعادة في الدارين.

وما أجمل ما قاله الغزالي في هذا الشأن : (الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة، خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل  ما يمال به إليه، فإن عوِّد الخير وعُلِّمه نشأ عليه، وسعد في الدنيا والأخرة، وشاركه في ثوابه أبوه وكل معلم له و مؤدب، وإن عُوِّد الشر وأهمل إهمال البهائم، شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيِّم والوالي له، وقد قال الله عز وجل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ"التحريم 6.  ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا، فبأن يصونه عن نار الأخرة أولى، وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من قرناء السوء).

فاللهم ارزقنا حسن تربيتهم على الوجه الذي يرضيك عنا.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...