التسمم النفسي! (2ـ2)

عالم الأسرة » همسات
23 - شوال - 1439 هـ| 07 - يوليو - 2018


1

نستكمل ما تحدثنا حوله في الحلقة السابقة

وفي فصل آخر من مشهد مشابه: قد يحدث التلوث من خلال سلوك الآباء الخاطئ مع الأبناء في تقويم سلوكهم؛ مما يعطي تلوثاً تلقائياً لأفكارهم ومشاعرهم، ويدخلهم في حلقة الرهاب الاجتماعي من باب آخر.

فقد يحرص الوالدان على أن يكون طفلهما الأفضل، فيريدانه مثالياً سلوكاً وقولاً، فيبدأ أحدهما بتتبع الطفل بكل دقة، وتقويم أي خطأ يصدر عنه أمام جماعة الحضور، بالتعنيف أو الضرب، ظناً منه أنه بذلك يصحح خطأه، أو يساعده على آلا يخطئ مرة أخرى؛ ليكون على قدر من المثالية أمام الآخرين.

فعلى الرغم من سلامة الهدف، بالحرص على تقويم السلوكيات السلبية للأبناء، إلا أن ذلك حتماً يسبب التسمم النفسي لهم. والذي يبعثر ثقة الطفل بنفسه، ويزرع القلق فيه ويدفعه؛ لتجنب العلاقات الاجتماعية. هذا من النوع الأول أيضاً الذي هو سليم المحتوى في كون التقويم مطلوب لسلوكيات الأبناء، لكن التوقيت والأسلوب غير مناسبين. خاصة عندما يعمل الوالدان على تقويم سلوكياتهم، بل وهفواتهم بأسلوب بالتعنيف أو برفع الصوت في وجوههم في حضرة الضيوف؛ لاعتقادهما أن من حسن الضيافة وتمام الخلق: تجنب الزلات أمام الضيوف؛ وليظهر للضيوف عدم رضاه عما حدث واستيائه من الخطأ الغير مقصود أصلاً، وقد يصل لحد الضرب أمام الضيوف؛ ليجعله أكثر انتباها وأقل خطأ في المرات القادمة على حد اعتقادهم.  والأكثر غرابة أن الضرب قد يكون لأسباب تافهة كانسكاب بعض القهوة بشكل عفوي. ولم ينتبه المُربي أن تعديل أي خطأ لا يكون بالطريقة الخطأ. وإلا زاد الأمر سوءاً.

 فتجنب اللوم والعقاب أمام الضيوف هو أمر بالغ الأهمية، إن حرصنا على بناء شخصية سليمة واثقة لأبنائنا وعلاقة أبوية ناجحة معهم.

ومن الأساليب التربوية التي تستخدم وهي من النوع الثاني: الذي يحوي أفكاراً ملوثة في أصلها، كأن يعمل الوالدان على انتقاد الأبناء أو الاستهزاء والاستخفاف بهم أمام الضيوف، ولو من باب الدعابة، وذكر سلبياتهم وما يكرهون انكشافه للآخرين؛ ليكون ذلك رادعاً لهم بتجنب هذه السلوكيات عن طريق تدخل بعض الضيوف بالحديث معهم وتصويب بعض سلوكياتهم. ويعتقد الوالدان أن هذا الإحراج هو من أبواب الردع عن السلوك، أو من أساليب تقويم السلوك لديهم، ولا يعلمان أنه يؤدي للرهاب، والخوف والنفور من المواجهة الاجتماعية، مع أزمات بينهم وبين والديهم، وزعزعة الثقة بأنفسهم وتحطيم الروابط بينهم وبين والديهم. فضلاً على أنه يحفز فيهم انتقاد من انتقدهم للدفاع عن أنفسهم، وحماية ذواتهم من النقد. ويجعلهم أكثر عناداً وأقل مرونة في تقبل الرأي الآخر والنقد.

 وكذلك قد يحاول أحد الوالدين تسلية أبنائه بقصص لا تناسب سنهم، سواء كانت واقعية أو خيالية، دون الاهتمام بنوعية القصص وما تحويه من أفكار وقيم؛ فترسخ لديهم بذور الخوف، ليبدأ الطفل بخياله الواسع إسقاط محاور وشخصيات القصة على بعض جوانب حياته؛ فيصبح خائفاً من أمور لم يكن يخافها من قبل. وتُصور له خيالات مخيفة تهاجم أحلامه، وتنقض على منامه، وتربي الخوف في نفسه. أو أن يعتمد الوالدان أسلوب إخافة الطفل؛ ليهدأ ويتخلى عن بعض السلوكيات المزعجة، وكثرة الشغب بإخافته من الغرفة المظلمة مثلاً؛ حتى يمتنع عن دخولها وإثارة الفوضى فيها. ولا يدركون أن نقل مثل هذه الأفكار المسمومة: هو أمر له تأثيره على السلبي على نفسياتهم في الطفولة، وعلى المدى البعيد أيضاً.

فعلى الرغم من خطورة التسمم الجسمي على الصحة والحياة، لكن التسمم النفسي هو الأشد خطورة؛ لأنه يقتل الصحة النفسية، فيعيش الطفل حياته دون أي حياة. في سياج من الألم والمعاناة ويتعثر بعقبات وهمية تعيق مسيرته الحياتية بأكملها. دون أن يجد ترياقاً يزيل ما ترسب في نفسه من السموم.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...