التفكير (2) لها أون لاين - موقع المرأة العربية

التفكير (2)

كتاب لها
20 - شعبان - 1431 هـ| 01 - أغسطس - 2010


1

تحدثنا في المقال السابق عن أهمية التفكير وقيمته في حياة البشر، بل وفي تحديد مصائرهم النهائية، وحِرْص الإسلام على الدعوة إليه، وليس أدل على ذلك من حث الإسلام المسلم على أن يكون إنسانًا مفكرًا؛ ليكون إيمانه وغاياته مبنية على دعائم راسخة من الحقائق والأدلة، قال تعالى: يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون* في الدنيا والآخرة.. [البقرة:219-220]، وكيف أن التقليد وترك إعمال العقل تكون له أوخم العواقب، وأن هناك حُجبًا قد نصنعها أو تُصنَع لنا تَحُول دون شُهود عقولنا لبعض الحقائق الجَلِيَّة، كما ذكرنا إحدى الحيل التي يمكن بها أن نخرج العقل من دائرة الذاتية أو شخصنة المشكلات؛ للوصول إلى أحكام أو نتائج أو سلوكيات أقرب إلى الصواب، فالمسلم مطالب- مثلاً- بالعدل حتى مع ألد أعدائه..

وتوقفنا عند تعريف التفكير علميًا، وقلنا: إنه وإن كان يحتوي على وظائف هامة للتفكير العلمي، إلا أنني أرى أن للتفكير العلمي الموضوعي فوائد أخرى..

 ويمكن القول: إن سر حاجتنا إلى التفكير العلمي الموضوعي، ومدى أهميته تتجلى في أمور كثيرة، يمكن أن نذكر أبرزها فيما يلي:

الوصول إلى الهداية والاستقامة، والارتقاء فيهما. ولعلنا نوضح قيمة التفكير في هذه النقطة في العناصر التالية:

أولاً: الوصول إلى التوحيد المطلق لله عز وجل: قال تعالى: ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ))[آل عمران:190].

لقد كان من حكمة الله أن ((وضع في كونه آيات تنطق بوجوده، وتشهد بعظمته، وتدل بأنه الإله الخالق، وخاطب العقول في كل الأزمان، وحثها على التفكير والتعمّق والتأمل في ملكوته، جاعلاً الأداة الأولى لإدراك وجوده هي العقل))، ولكنه العقل الذي يفكر تفكير سليمًا موضوعيًا؛ بعيدًا عن الهوى أو التقليد أو التعصب، أو غير ذلك من الآفات التي تحجب عمله عن الرؤية الصحيحة، أو الوصول إلى الأحكام الصائبة؛ لنرى أن الاحتكام إليه يعطينا أدلة كثيرة على التوحيد المطلق لله ، وستكون هذه الأدلة من الكون حولنا، والذي يشهد كل ما فيه بأن لا إله إلا الله. ولله در الشاعر القائل:

وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه الواحد

ونكتفي هنا بذكر مثالين: الأول: دليل الخلق من العدم:

((نبدأ بالخلق، ذلك الدليل الذي نراه جميعًا أمام أعيننا ليلاً ونهارًا، ونلمسه لأننا نعيشه، فالبداية هي أن هذا الكون بكل ما فيه قد وجد أولاً قبل أن يُخلق الإنسان، وتلك قضية لا يستطيع أحد أن يجادل فيها، فلا أحد يستطيع أن يقول: إن خلق السماوات والأرض تم بعد خلق الإنسان، بمعنى أن الإنسان جاء ولم تكن هناك أرض يعيش عليها، ولا شمس تشرق، ولا ليل ولا نهار، ولا هواء يتنفسه، بل إن الإنسان جاء وكل شيء قد أعد له... وذلك حتى تتم عمارة الأرض.

إذن فباستخدام العقل وحده- إذا فكر تفكيرًا موضوعيًا بعيدًا عن الهوى، أو التقليد والتعصب للآباء والأجداد كما فعل المشركون والملحدون حين قالوا: إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف: 22]- لا أحد يستطيع أن يجادل في أن هذا الكون قد خلق وأعد للإنسان قبل أن يخلق الإنسان... إذن فالحقيقة بأن الكون أعد للإنسان قبل أن يخلق قضية يؤكدها العقل ولا يستطيع أن يجادل فيها.

وبذلك نكون قد وصلنا إلى النقطة الأولى، وهي أن الله سبحانه وتعالى بكمال صفاته وقدرته قد خلق هذا الكون وأوجده ونظمه غير مستعين بأحد من خلقه، ولا محتاج إلى أحد من عباده، وأننا جميعًا- أي البشر- قد جئنا إلى كونٍ معد لنا إعدادًا كاملاً.

  ولكن قدرة هذا الكون لا تخضع لنا ولا لقدراتنا، بل هي أكبر من هذه القدرات بكثير؛ فالشمس مثلاً أقوى من قدرة البشر جميعًا، وكذلك الأرض والبحار والجبال، إذن فلا بد أن تكون هذه الأشياء قد أخضعت لنا بقدرة من خالقها، وليس بقدرتنا نحن، ذلك أنها مسخرة لنا لا تستطيع أن تعصي أمرًا، فلا الشمس تستطيع أن تشرق وتغيب يومًا حسب هواها لتعطي الدفء ووسائل استمرار الحياة لمن تريد، وتمنعه عمن تشاء، ولا الهواء يسنطيع أن يهب يومًا ويتوقف يومًا...إلخ.

فإذا جئنا إلى الإنسان وجدناه هو الآخر لابدّ أن يشهد بأن له خالقًا، فلا يوجد من يستطيع أن يدّعي أنه خلق إنسانًا، ولا من يستطيع أن يدّعي أنه خلق نفسه)).

إذن فقضية الخلق يحتمها التفكير الموضوعي، فإذا جاء أحد وقال: (( إن هذا الكون خلق بالمصادفة، قلنا له: إن المصادفة لا تنشئ نظامًا دقيقًا كنظام الكون لا يختل رغم مرور ملايين السنين، وإذا جاء بعض العلماء ليدعي أنه كانت هناك ذرات ساكنة ثم تحركت وتكثفت واتحدت!! نقول: من الذي أوجد هذه الذرات، ومن الذي حرّكها من السكون؟

وإذا قيل: إن الحياة بدأت بخلية واحدة من الماء نتيجة تفاعلات كيمياوية، نقول: من الذي أوجد هذه التفاعلات لتصنع هذه الخلية؟..

 ولنأخذ هذه القضية في كل ما حولنا، في كل هذا الكون، لنأخذ مثلاً الخشب... هذه الشجرة من أين جاءت؟ تقول: من السويد، تسأل أهل السويد يقولون: من الغابات، تذهب إلى الغابة فيقولون لك: من شتلات نعدها، تسأل من أين جاءت هذه الشتلات؟ من جيل سابق من الأشجار، والجيل السابق من جيل سبقه، وتظل تمضي حتى تصل إلى الشجرة الأولى التي أخذ منها كل هذا، من الذي أوجد الشجرة الأولى؟ إنه الله، فلا أحد يستطيع أن يدعي أنه خلق الشجرة الأولى، أو أوجدها من العدم...وهكذا في كل المخلوقات الأولى نجد أنها كلها من خلق الله خلقًا مباشرًا، ثم بعد ذلك استمر وجودها بالأسباب التي خلقها الله في الكون.

وبهذا نكون قد أثبتنا بالدليل العقلي أن الله خالق كل شيء في الدنيا، فإذا كان الله قد خلق من هم دون الإنسان من نبات وجماد وحيوان، فكيف بالإنسان بما له من إدراكات وعقل وفكر وتمييز، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون [الطور: 35])).

ومن الطرائف ذات الصلة ما روي عن الإمام أبي حنيفة- رحمه الله- من أن قومًا من فرقة الدهرية الضالة أتوه يجادلونه في أن هذا الكون خلق بلا إله، وإنما جاء مصادفة، فقال لهم أبو حنيفة: ما تقولون في رجل يقول لكم: إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال، مملوءة بالأمتعة وقد احتوشتها في لجة البحر أمواج متلاطمة، ورياح مختلفة، وهي من بينها تجري مستوية ليس فيها ملاح يجريها ويقودها ويسوقها، ولا متعهد يدفعها، هل يجوز ذلك في العقل؟

فقالوا: لا. هذا لا يقبله العقل، ولا يجيزه الوهم.

فقال لهم أبو حنيفة: فيا سبحان الله! إذا لم يجز في العقل وجود سفينة تجري مستوية من غير متعهد، فكيف يجوز قيام الدنيا على اختلاف أحوالها، وتغير أمورها، وسعة أطرافها، وتباين أكنافها من غير صانع وحافظ ومحدث لها؟!

المثال الثاني: خلق الإنسان، أين الروح في جسدك؟

يقول غير المؤمنين: إن الله غيب، وأنا لا أصدق إلا ما أرى!

وهنا نقول: ((أنت في جسدك الروح التي تهبك الحياة والحركة، فإذا خرجت الروح من جسدك سكنت الحركة وانتهت الحياة.

إذن كل منا يعرف أن هناك شيئًا اسمه الروح، إذا دخل الجسد أعطاه الحياة، وإذا خرج منه توقفت الحياة، فمن منا رأى الروح؟ بل من منا يعرف أين موقعها من الجسد؟ أهي في القلب الذي ينبض؟ أو في العقل الذي يفكر؟ أو في القدم التي تتحرك؟ ...؟ أين مكانها بالضبط؟ وما هي الروح؟

أكبر علماء الدنيا لا يعرف عنها شيئًا... إذن الروح، وهي موجودة في جسدك، غيب عنك، فأنت لا تعرف ما هي؟ ولا أين هي؟ وأنت لا تعرف كيفية سريانها في الجسم، وإلا قل لنا إذا أصيب الإنسان في حادث وبترت ساقاه، أين ذهبت الروح التي كانت في الساقين تعطيهما الحركة والحياة؟ ولكنك تستدل على وجود الروح، مع أنها غيب عنك، بآثارها في أنها تعطي الحياة والحركة لجسدك، ولكن هل وجود الروح في المخلوق الحيّ وجود يقيني؟ يقول أكبر علماء الدنيا الماديين: نعم، ولا يستطيع أحد أن ينكر أن الجسد الحي فيه الروح، وأن الجسد الميت قد خرجت الروح منه.

إذن فوجود الروح علم يقين مستدلٌّ عليها بآثارها، فهل إذا كان وجود الروح في جسدك يؤكد لك يقينًا أنها موجودة مستدلاً على ذلك بالحركة والحياة التي تعطيها في الجسد، ألا يدل هذا الكون كله بما فيه من إعجاز الخلق على وجود الله  يقينًا؟ إن التفكير الموضوعي يقول لك هنا ألا تنظر إلى جسدك والروح فيه، ثم تنظر إلى الكون لتستخدم نفس القانون؟ أم أنك في جسدك لا تستطيع أن تجادل, وفي الكون بعظمته تجادل؟! أليس هذا كذبًا على النفس واحتقارًا لمهمة العقل! ألا نتدبر في معنى الآية الكريمة: وفي أنفسكم أفلا تبصرون؟!)).

ومن طريف ما يروى- إن صح الخبر- أن معلم أطفال روسيًا- إبان فترة الاتحاد السوفيتي والنشاط الشيوعي المحموم، حيث كان شعارهم الأبرز: "لا إله، والدين أفيون الشعوب"- أراد أن يعلم التلاميذ أن لا إله في الكون، فليس ثم إلا ما نراه أو نحسه بحواسنا، فأتى بتفاحة وقال لتلاميذه: هل ترون التفاحة في يدي؟ فقال التلاميذ: نعم، قال: إذن فالتفاحة موجودة، ثم أشار إلى بضعة أشياء، وظل يكرر نفس السؤال ونفس التعليق، ثم قال لهم: هل ترون الله؟ فسكت تلميذ وقال الباقون: لا، فقال المعلم: إذن فالله غير موجود.

وعندئذ قام التلميذ- وكان ولدًا فطنًا وأهله مسلمون مستخفين بإسلامهم- وقال للمعلم: أتسمح لي يا أستاذ أن أكرر ما قلته الآن بأمثلة أخرى؟ فقال المعلم: لا بأس تفضل. فخرج التلميذ أمام زملائه وقال نفس أسئلة المعلم، ولكنه استبدل بسؤال المعلم الخبيث سؤالاً آخر، وهو: هل ترون عقل المعلم؟ فقال التلاميذ بتلقائية: لا.

ولا نملك إلا أن نقول لهذه لأمثال هذا المعلم ومن دعا بدعوته من منكري وجود الله: إنكم أصحاب عقول لا تفكر ولا تعقل. ونقول أيضًا ما قاله : فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: 46].

وبهذا يتأكد لنا دور التفكير الموضوعي في الوصول إلى الهداية والاستقامة على التوحيد الخالص لله رب العالمين، وما يفترض أن يستتبعه من استقامة على صراط الله المستقيم.

وإلى لقاء ..

-----------------------------

المصادر:

1- الأدلة المادية على وجود الله، لفضيلة الشيخ: محمد متولي الشعراوي، مكتبة المصطفى الإلكترونية، على الرابط:

http://www.al-mostafa.info/data/arabic/depot2/gap.php?file=002420.pdf

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- -

22 - شعبان - 1431 هـ| 03 - أغسطس - 2010




مقال ممتاز شكرا لكم

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...