التقليد.. حين يمس العقيدة وثقافة الأمة! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

التقليد.. حين يمس العقيدة وثقافة الأمة!

كتاب لها
10 - جماد أول - 1436 هـ| 01 - مارس - 2015


1

     تحدثت في مقال سابق عن التقليد، وأوضحت أنه ظاهرة خطيرة في الأمة يدل على: ضعفها أمام الآخرين؛ ولا سيما إذا تعلق الأمر بالعقائد والأفكار، والشرائع، والتربية والثقافة عموما بمفهومها الواسع. ثم بينت بأن التقليد المستحب يكون في الصناعات والعلوم الكونية، وما يستجد في هذا العالم من تقنيات وأساليب يتم تطبيقها بما لا يتعارض مع إسلامنا. أو إذا أثرى هذا العَالَمُ بعضَ العلوم بأبحاثه التي يستفاد منها، فلا بأس كعلم النفس، والاجتماع، والاقتصاد وبعض النُّظُمِ – كنظام المرور مثلا -  وغيرها.

     وأما التحذير في هذا المقام إنما يتعلق بشخصية الأمة، وما يؤثر على تفردها وتميزها لتكون كشامة في وجه الإنسانية، أو كنجمة متوقدة في السماء في محيط مظلم، وهذا يشمل عدة أمور على الأمة ألا تقلد غيرها فيها؛ بل تحتفظ ببصمتها المتميزة، وهنا يكمن سر قوتها ويؤهلها لتقود البشرية الحائرة المحتاجة إلى منهج الله الذي ينتشلها من حفرة الظلام، فينقلها إلى كوكب الإسلام المنير من شمس المعرفة الإلهية، والعلم القديم الذي يتصف به الحق سبحانه – كقدم ذاته – فتسعد البشرية بهذا النموذج الفريد.

     قلنا بادئ ذي بدء: إن الإسلام بغَّضَ لأتباعه اتباع الأمم السابقة سواء كانوا عجما – فرسا أم روما – أم كانوا من أهل الكتاب (اليهود والنصارى)، وحذر الأمة أشد التحذير من متابعة تلك الأمم في أنماط سلوكها، واهتماماتها، وعقائده، وأفكارها، وشاراتها، وهيئاتها، وميولها، واتجاهاتها ...إلخ لأن ما عندنا – والحمد لله خير مما عندهم – ونحن أصحاب رسالة؛ فعلينا أن نصطبغ بصبغتها في كل شيء (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ)البقرة 138.

     سأتناول في هذا المقال مسألة هامة لها تأثير على بعض المسلمين اليوم، وهي حبهم ورغبتهم في متابعة اليهود والنصارى والأعاجم، وتقليدهم في أعيادهم، وما يفعلون بها من عادات وشارات ومظاهر أخرى تشمل: – بإيجاز طريقة الأكل والشرب واللباس والكلام، وممارسة بعض الطقوس في الفرح، والأعمال – قضايا تمس العقيدة وثقافة الأمة؛ كما تؤثر في شخصيتها وأسلوب حياتها، واهتماماتها، وإعجابها بهذا أو ذاك، وكراهيتها – في خطوة متقدمة – لأوضاع أهل الملة والدين من أمة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

     لقد تحدث ابن تيمية عن الأعياد بالتفصيل - في كتابه النفيس اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم – بأكثر من مئتي صفحة.      

     ولكن وعلى الرغم من هذا التحذير، فلقد وقعت الأمة - اليوم ـ بما كانت تُحَذَّرُ منه، فلم تعد لها شخصيتها المتفردة إلا ما أخبر عنه المصطفى – صلى الله عليه وسلم – بأنه ستبقى طائفة من أمته ظاهرة على الحق بهذا الدين إلى يوم القيامة، ثم بين أن أمته لا تجتمع على ضلالة، وفي حديث  آخر ((وأن الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم فيه بطاعته) رواه ابن ماجه وحسنه الألباني.

     وموضوع التقليد موضوع كبير وسنتكلم – في هذا المقال – عن بعض ما نهينا عنه على أمل متابعة الموضوع في حلقات قادمة إن شاء الله تعالى.

     ومن ذلكم عدم التشبه بالكفار عموما (اليهود – النصارى – المجوس – الأعاجم وغيرهم) في كل شيء، لأن مشابهتهم تقتضي التفاعل بين المتشابهين، كما أنها تورث نوع مودة ومحبة، وموالاة بين المتشابهين وفي هذا خطر عظيم على دين المسلم.

     إن أكثر ما حذر منه شرعنا هو متابعة المسلمين للكفار فيما يفعلونه في أعيادهم، وفي أحزانهم حيث تكثر فيها المعاصي والمنكرات والمخالفات الشرعية والعادات والتقاليد المنكورة، فهم – أي الكفار – يمارسون حياة تتناسب ومعتقداتهم وأفكارهم في الأكل والشرب واللباس، وفي وسائل وآلات  الفرح والحزن، ومظاهر السلوك، وفي اللغة، وطريقة تهنئة وتعزية بعضهم بعضا، وأدوات احتفالاتهم ومآتمهم .......إلخ  وفي حال هذه المتابعة تكاد تنقطع صلة المسلم بدينه بينما تستجلب محبته لهؤلاء الذين ليسوا على دينه ثم موالاتهم، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام بأنه ((من تشبه بقوم فهو منهم))رواه أبو داود، وحسنه عدد من العلماء منهم الألباني، وجاء في سنن البيهقي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: ((من بنى بأرض المشركين، وصنع نيروزهم، ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة))(وصححه ابن تيمية في الاقتضاء 1/754).

     وأنصح من أراد التوسع في هذا المقام أن يعود إلى كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لابن تيمية، ففيه غنية له عن أي مرجع حول هذا الموضوع الذي يمس هويتنا وثقافتنا ووجودنا. وإن شاء الله سوف أعود إلى التقليد موضحا ما خفي من مسائل تجلي حقيقته وطبيعته وأخطاره على الأمةُ، وما أبيح منه للضرورة، أو الموافقة غير المقصودة مما تقتضيه طبائع الأشياء، والحياة بين البشر، وإن كان الأولى والأصلح بقاء هذه الأمة متفردة في كل شأن من شؤون حياتها.                 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...