التنمر في عصر التطور لها أون لاين - موقع المرأة العربية

التنمر في عصر التطور

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
18 - رجب - 1439 هـ| 04 - ابريل - 2018


1

     لم تعد ظاهرة التنمر ظاهرة حديثة الظهور، فهذا النمط من الإساءة والعنف: بات أمراً لا نستطيع إنكار وجوده في المدارس، بل وحتى في المجتمع ككل. غير أن الجديد أنها لم تقتصر على ما يحدث هنا أو هناك من أذى أو عدوان جسدي، بل امتدت لتواكب عصر التطور، فظهرت بلون جديد أكثر تطوراً وعدواناً في قالب التنمر الإلكترونية الذي يحمل الإساءة والأذى، لكن بصورة غير مألوفة، فلا حاجة لأن يكون كل من المُتنمر والضحية مجتمعين وجهاً لوجه؛ ليحدث الاعتداء. إنما إساءة واعتداء عن بعد في العالم الافتراضي، من خلال استخدام التقنيات الحديثة وعبر مواقع وبرامج  التواصل الاجتماعي.

 وعلى الرغم من أنها ليست مواجهة حقيقية على أرض الواقع، لكنها كثيراً ما تكون أشد ألماً وأثراً من المواجهة الحقيقية؛ لما تُحدثه من الألم النفسي، فضلاً عن الآثار الاجتماعية والنفسية السلبية الأخرى. نتيجة سرعة انتشارها عبر مواقع التواصل؛ مما يجعل الضحية يعيش أجواء سوداوية؛ لعلمه بأنه قد شُهر به بنمط مسيء، وأنه قد يُسأل عن كل ما كُتب عنه؛ مما يجعله في حالة دفاع دائم عن نفسه. وكذلك ترقب مستمر فقد يُنشر عنه كل يوم ما هو أكثر سوءاً، مما يجعله في دائرة مفرغة من الاكتئاب والقلق. وهذا ما يهدف إليه التنمر الإلكتروني الذي يستهدف الأذى النفسي للضحية، وبذلك يتميز عن التنمر المباشر الذي يكون الأذى فيه جسدياً بالدرجة الأولى.

      ويحدث التنمر الالكتروني بأشكال عدة: من خلال الاعتداء على سمعة شخص بتشويهها، أو انتحال شخصيته أو تهديده والإساءة إليه، أو التشهير به برسالة تحمل في طياتها الإساءة بعبارات، أو التهديد بفضح أمر ما، سواء كان أمراً قد حدث أو تم فبركته، أو من خلال صور وقصص مزيفة أو واقعية، لتشكيل صورة ذهنية سيئة عنه لكل من يعرفه أو يتواصل معه. وقد يحدث ذلك من أشخاص معروفين أو مجهولين لدى الضحية. وتنتشر غالباً بين فئة المراهقين بشكل أكبر من الفئات الأخرى.

وقد يرجع السبب في ذلك إلى أن مرتادي العالم الافتراضي أكثرهم من المراهقين، بالإضافة إلى رغبتهم في إثبات ذواتهم، وفرض سيطرتهم على الآخرين من خلال تخويفهم وإشعارهم بسلطتهم، وكذلك محاولتهم التأثير فيمن حولهم، حتى لو كان بأسلوب سلبي فالهدف الظهور والسيطرة. فضلاً على التذبذب العاطفي عند المراهقين؛ مما يجعلهم وبشكل فجائي إثر موقف عابر، ينقلبون من المحبة لضدها، ومن الرضا للغضب تجاه بعض الأشخاص أو الأصدقاء، فيندفعون للإساءة إليهم. أو نتيجة كون المراهق ذاته تعرض من قبل للتنمر والعنف، فبدأ بإسقاط ما تعرض له على غيره.

      ويختلف الأذى الحاصل من التنمر بحسب نوع التنمر وشدته، والمدة التي يستمر خلالها ومدى انتشاره، وبالتالي فإن أثره أيضاً يختلف بحسب هذه الاعتبارات، وبحسب شخصية الضحية أيضاً وثقته بنفسه، وثقته بأهله، ونوعية العلاقة بين الضحية والأهل؛ فكلما كانت العلاقة بينهما أفضل، كلما كان الأثر أقل لما يجده من مساندة وتوجيه تخفف من الضغوط الناتجة عن التنمر، ولا تجعله حائراً قلقاً، يعيش يومه تحت ظلمة الاكتئاب. فمما لا شك فيه أن التنمر الإلكتروني يجعل الضحية في حالة شديدة من الضغط النفسي، نتيجة سرعة انتشار الاعتداء بكل أشكاله وقلة التحكم في إيقافه. ولذلك فهو عادة يستمر فترة زمنية أكبر من التنمر الواقعي؛ نظراً لسرعة الانتشار عبر مواقع التواصل، ومشاركة العديد من الأشخاص، مما يجعل ضحاياه أكثر عرضة للاضطرابات النفسية مرات عديدة من غيرهم، ممن لم يتعرضوا للتنمر. بينما النوع الآخر من التنمر ينحسر نسبياً في الزمان والمكان الذي حدث فيه ومع الأشخاص أنفسها المتنمرين.

      وتُشكل أسباب ظهور التنمر مدى واسع، يشمل ما يتعلق بالنمط التربوي، كالعنف في التعامل الوالدي، خاصة إن ترافق مع الضغط على الأبناء، والاستهانة بهم وبشخصياتهم، مما يدفعهم لإثبات ذواتهم بالعنف. وتزداد المشكلة إن كانت أساليب التنشئة للأبناء بناء على قناعات سلبية،  كتربيتهم على مبدأ أن القوة والشدة هي من لها الغلبة والاحترام؛ مما يدفعهم لإثبات سيطرتهم وقوتهم بأي شكل، واعتبار ذلك على أنه ميلاد لشخصياتهم القوية المستقلة. فضلاً على الانضمام لرفاق السوء، ومما يدفعهم للدخول في مغامرة معهم وحب التجريب. ومنها ما يتعلق بالنمط الأسري كتفكك الأسرة، الذي يجعل لكلٍ شأنه في الأسرة دون مراقبة ولا توعية، مع جهل الوالدين بالعالم الرقمي وما فيه من مشكلات و التساهل في استخدام مواقع التواصل، ونشر ما لا ينبغي نشره من خصوصيات، ومع وجود الفراغ وعدم الرقابة والتوجيه من الأهل في أساليب التعامل مع العالم الافتراضي وسبل حفظ الخصوصية.

كما أن التعرض للتنمر قد يكون دافعاً رئيساً لتطبيق التنمر على الآخرين، خاصة إن لم يتم علاجه بشكل صحيح، وترك أثراً مؤلماً في الضحية نفسها.

       والوقاية دائماً خير من العلاج؛ لذا كانت أهمية التوعية حول بعض الأخلاقيات التي يجب مراعاتها عند الدخول واستخدام العالم الافتراضي، ومواقع التواصل خاصة، فالوعي بالمخاطر المترتبة على الاستخدام اللامسؤول لمواقع التواصل: أكبر سلاح للتحصن ضد سلبياتها، ويجنب مستخدميه من التساهل في نشر المعلومات الشخصية، والذي يتسبب في استخدام الآخرين لها بطريقة مؤذية؛ لذا كان حفظ الخصوصية من أهم الأولويات في التعامل مع مواقع التواصل خاصة. مع تجنب المشاركة بالمعلومات الخاصة، والأرقام السرية للبريد الإلكتروني والحسابات الإلكترونية الأخرى، حتى لا يتم استخدام المعلومات الشخصية في أغراض لا أخلاقية وسلوكيات مشبوهة. مع غرس احترام الآخرين، والمحافظة على حقوقهم بتجنب الإساءة إليهم، وانتهاك خصوصياتهم أو المساس بما يضرهم، حتى لا نكون عرضة لرد الإساءة بالإساءة، وتجنباً لما قد يصدر منهم. مع الحرص على منع ترويج الشائعات عن أي شخص أياً كان، والتأكد أن كل ما يتم التعليق عليه أو الإعجاب به في مواقع التواصل لا يحمل أي إساءة لأي أحد، منعاً للتعرض للمساءلة. وكذلك الابتعاد عن مراسلة مجهولين، ومنع إعطاء معلومات شخصية لهم، أو ترك المعلومات الشخصية مشاعة عبر مواقع التواصل. مع تجنب الاستجابة لرسائلهم أو تهديداتهم؛ فذلك يزيد من قوة التهديد وإلحاحهم.

        ومن المهم مد جسور الثقة بين الأسرة والأبناء؛ لتكون داعماً في الوقاية، ومسانداً عند الوقوع في التنمر منذ بدايته، مع تصحيح المفاهيم الخاطئة لهم، خاصة المراهقين وإيضاح أنه رغم أن المتنمر غالباً ما يقصد بإيذاء الآخر إظهار القوة والسيطرة، وجذب الاهتمام والأنظار إليه لقوته، إلا أنه في الواقع يكشف ما لشخصيته من ضعف يُعجزه عن إظهار نفسه بصورة أفضل، فيتطاول على الآخرين لإظهار قوته وقدرته. وفي ذلك ظهور صريح لضعفه.

         كما أن السرعة في علاج المشكلة، واتباع الإرشادات الحكيمة من الوالدين أو الجهة المسؤولة: يجنب التوغل في المشكلة، ويخفف من الآثار النفسية للتنمر عليهم. وكل ذلك لن يكون بالشكل المطلوب، إلا إن كان الأهل على اطلاع ومعرفة بدرجة معقولة بوسائل التواصل الإلكتروني؛ كي يعرفوا ماذا يجري في هذا العالم الرقمي، ومعرفة مشكلاته وبالتالي يقدموا النصح مع الحوار الدائم والصداقة للأبناء، للتعرف على مشكلاتهم خاصة في العالم الرقمي. كما أن لزرع الوازع الديني في نفوس الأبناء وجهين، أحدهما وقائي والآخر علاجي، فالوقائي يجنبهم التعدي على الآخرين، أو المساس بما يضرهم والسخرية بهم، والتي قد تكون سبباً للتعرض للتنمر. والعلاجي بالتسامح والترفع عن الرد على إساءة المسيء، مما يحصر التنمر ولا يزيد منه، فيشعر المعتدي بأنه لم يصب هدفه في الإيذاء والرد؛ وبالتالي يتوقف عن الإساءة، فضلاً عن الجانب الإيجابي الذي يحدثه الترفع والتسامح في النفس؛ فيمنع سيطرة الانفعالات السلبية مما يقلل من أثر التنمر. بالإضافة إلى أنه من المهم تعزيز الثقة بالنفس لدى المراهقين خاصة، لتصبح ثقة لا تهتز أمام ما يمكن أن يقال أو يكتب عنهم، على اعتبار أنها لا تمثل حقيقتهم بل رأي وبيئة قائلها.

       فنحن بحاجة لوقفة جادة مع أنفسنا وأبنائنا أولاً؛ لنزداد وعياً بأخطائنا التي هي مصدر الخطر الأول علينا، قبل أن تكون أخطاء الآخرين، فنحن من نُفسح المجال لمن يريد إيذاءنا دون قصد منا، بنشر خصوصياتنا وما لا ينبغي نشره!. فكلما حافظنا على خصوصياتنا، وتعاملنا مع وسائل التواصل بحذر: كلما كنا أكثر أمناً من شر العابثين. 

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...