التوبة والاستغفار.. طريقا السعادة في الدنيا والآخرة

دعوة وتربية » نوافذ
15 - جماد أول - 1440 هـ| 22 - يناير - 2019


1

 

حياة كل منا سلسلة من المتغيرات والمتضادات، المتفرقات والمختلفات، المتشابهات وغير المتشابهات، متقلبة مابين رطب ويابس، وحار وآخر بارد، ومدلهم وغيره واضح، وباسم وعابس.. نسير في دروب الحياة متذبذبين بين سقوط ونهوض، وتقدم ونكوص، ومتأرجحين بين استقامة وشذوذ، ومقلقلين بين خطأ وصواب.. وإبان سيرنا الطويل تعلق بنا أجرام وأدران ليس لنا إلى دفعها سبيل، ويصيبنا أذى وقذى رغماً عنا كارهين، نعمل على التخلص منها جميعاً ومحو آثارها، ونسعى جاهدين ألا نتعثر ونسقط، وأن نبقى ثابتين لنعاود المسير، لكن ماذا كان حصل لو لم تكن هناك وسيلة تتبع للحد من آثار ذلك؟ وما كنا فعلنا فيما يتعلق بالأخطاء والمثالب المعنوية ولكل منا كبوة؟ ما السبيل وما المخرج؟ ما الدواء وما العمل؟ وماذا فعلنا لو أنه عدم؟

أكاد أرى الإجابة تقفز من الأحداق، وتطل همساً متسابقاً من الشفاه، يقيناً إنهما التوبة والاستغفار، وما أدراك ما للتوبة والاستغفار؟!

إنهما روح وجسد لا يفترقان، بهما تحصل الغاية المرجوة، والأمنية المنشودة، فيهما يقظة ضمير، وأنس للنفس، وأمل للخاطر، وانشراح للصدر، وطمأنينة للبال، وقرة للعين والفؤاد، هما تجديد عهد، وإبرام وعد، وإحقاق حق، ورفع للظلم ومنع، ورد للمظالم، وتخفف من الأثقال، وتخلص من الأحمال.

لقد أثنى الله على عباده العاملين بهما في غير مرة وأكثر من موضع في محكم تنزيله، ورغب إليهما، وحبب فيهما فقال عزَّ من قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا} وقال سبحانه على لسان نبيه نوح يخاطب قومه:{ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} وقال سبحانه: {والله غفور رحيم} وهو القائل سبحانه:{ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} وبهما وصف جل جلاله نفسه فقال: {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} وبهما مدح عباده المصطفين الأخيار وبكثرة استغفارهم وتوبتهم ومداومتهم على ذلك في مواضع متفرقة من كتابه العزيز؛ فقال سبحانه واصفاً عبده أيوب عليه السلام وغيره من عباده المخلصين بقوله: {نعم العبد إنه أواب} أي كثير التوبة والرجوع إلى الله، كما أشاد العلي القدير بعبده داود عليه السلام لتحليه بتلك الفضيلة فقال سبحانه: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} أي عائداً إلى ربه تائباً من ذنبه مكفراً عنه طالباً الصفح والرضوان بالصلاة والاستغفار وهو أمر تشهد بموافقته السنة المحمدية المطهرة والشرع الأتم الأكمل في سن صلاة ركعتين واستغفار الله تعالى لمن أصاب ذنباً وأراد الرجوع عنه فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم قوله:"ما من عبد يذنب ذنباً فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر له" وهذا ما اقتضاه معنى الآية الكريمة السالفة لفعل النبي داود عليه السلام، ولقد كان خير الأنام صلى الله عليه وسلم شعلة استغفار، وأسوة لمن ورائه في هذا المضمار، فقد كان صلى الله عليه وسلم يستغفر الله ويتوب إليه في مائة مرة وهو من غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولما كان صلى الله عليه وسلم يسأل عن ذلك كان يجيب بقوله: "أفلا أكون عبداً شكوراً"، كما كان صلوات الله وسلامه عليه يحث صحبه الكرام ويحرضهم على التوبة والاستغفار في كثير من أحاديثه فكان من حديثه صلى الله عليه وسلم: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" و"يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة" ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "من قال استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر الله له ذنوبه وإن كان فر من الزحف"، وقوله عليه السلام: "إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة" فقد كان عليه السلام يعد غفلته عن ذكر الله ذنبًا يستغفر الله منه.

كل تلك الأحاديث والآلاف أمثالها، وتلك الآيات البينات في الفرقان العزيز ترغب في التوبة وتدعو إلى الاستغفار والأوبة، وتشدد عليهما وتحرص على التمسك بهما حرصاً عظيماً، وتمتدح المتمثلين بهما والمتأسين بفعلهما، ألا تلفت الأنظار، وتحير الألباب؟ ألا تثير الدهشة والاستغراب؟ وتدفع إلى البحث وتحري الجواب؟ عجباً لما نقرأ ونسمع، ما علاقة الشكر بمغفرة الذنب؟ ولمَ يجتهد النبي صلى الله عليه وسلم ليكون عبداً شكوراً؟ ما جدوى التوبة وما كسب الاستغفار؟ ما جَنْيُنَا منهما؟ ما سرهما، وفيم كنههما؟ أسئلة تقتحم الأذهان، ويعمل التفكير فيها، ويظل يستجدي جواباً يريح العقل ويجلو القلب، إلا أن قليلاً من التأمل يجدي وبعضاً من التدبر والتفكر يشفي، و من بعد الحيرة يكون السكون والاستقرار، وبتمعن وتسلسل وتحليل فاستنتاج وربط، يشتق الجواب، فالبشر في أصل خلقهم ذوات ناقصة تسعى نحو الكمال وتستمده من سواها، والذات الإلهية ذات تامة الكمال منزهة عن النقائص على الإطلاق ومنها يستمد الكمال، وطبقاً لطبيعة البشر الناقصة الضعيفة فهي معرضة للخطأ واقتراف الذنوب بخلاف الذات الإلهية التي لا تنطق ولا تفعل إلا حقاً ولا تسأل عما تفعل وهم يسألون، لذا امتدح الله عباده المؤمنين في قوله سبحانه: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "كل بني آدم خطَّاء وخير الخطَّأئين التوابون"؛ لأن في ذلك شهادة وإقرار منهم بالكمال المطلق للذات الإلهية، وتنزيه وتقديس لها عن النقائص جميعها، وبأن الكمال لله الواحد القهار، واعتراف بنقص وضعف البشر المجبولين على ذلك، وبدوام حاجتهم لله تعالى وافتقارهم إليه وعدم استغنائهم عنه، وهذا من تمام العبودية والخضوع لله العلي العظيم، وعظم الإيمان به، والحكمة والغاية من التوبة والاستغفار، وجوهرهما الكامن، لذا كان استغفاره صلى الله عليه وسلم شكراً لله تعالى أن أدّبه فأحسن تأديبه، وفضله على سائر من خلق تفضيلاً، وميزه ورفعه فوق البشر أجمعين؛ لأجل هذا كله ترقّى الهادي البشير صلوات الله عليه في استغفاره من مرتبة التذلل والخضوع والطلب إلى مرتبة الثناء والشكر والحمد.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...