الحرمان العاطفي .. حياة بلا ألوان!

عالم الأسرة » شؤون عائلية
16 - ربيع أول - 1436 هـ| 07 - يناير - 2015


1

تشكل الأسرة الموطن الأول للطفل، ومصدر أمنه، كما أنها أيضاً الموطن الآمن لكل أفرادها. فهي الواحة التي تمدهم باحتياجاتهم النفسية المختلفة، وتعدهم لمواجهة الحياة، وتجاوز ما فيها من صعوبات. والتعامل مع من فيها بدرجة من الكفاءة التي تمكنهم من التفاعل الجيد.

لكن عندما تكون الأسرة فقيرة بالموارد النفسية الأساسية لتنشئة الطفل. فإنها تجعله ينمو نمواً نفسياً غير سوي؛ لفقدان احتياجاته الأساسية التي لم يتم إشباعها، ومن ثم ينشأ بعوارض سلوكية مختلفة.

          ولقد أثبتت الدراسات وجود علاقة بين الحرمان العاطفي والانحراف السلوكي. فما نراه من مشكلات سلوكية وعنف وصداقات بين الجنسين، ما هي إلا نتائج لهذا الحرمان وصور منه في شكل مشكلات متعددة. فالكثير من هؤلاء المحرومين عاطفياً، يبحث عن كلمة يستشعر فيها الحب والقبول، فنجده يلهث وراءها، ويتنازل عن كل قيمه مقابل أن يسمعها ويعيش الأمان في رحابها. وإن كان في داخله ما يشعره أنها قد تكون زائفة. لكن ذلك لم يمنعه من خوض التجربة، بإقامة علاقات منحرفة لأنه طالما بحث عنها في أسرته، فلم يجد نفسه إلا حطاماً أمام من يمكن أن يمنحه إياها بصدق.

          إن الإشباع العاطفي حق من الحقوق التربوية، التي تشكل درعاً واقياً للسلامة النفسية للطفل خاصة، والأبناء عامة. فالجوع العاطفي لا يقل أهميةً في إشباعه عن الجوع الطبيعي، إن لم يكن أشد أثراً في إهماله.

فان كانت النبتة لا ينمو بالماء فقط. بل إنها تبحث عن ضوء الشمس، حتى وإن اقتضى الأمر لأن تتجه النبتة بكاملها إلى أقرب بصيص نور شمس لإشباع احتياجها للشمس. فإن أبناءنا كذلك قد يحولون كل حياتهم بانحراف شديد لتلقي كلمات تشبع جوعهم العاطفي. والذي إن استمر لازمهم في مراحل عمرهم المختلفة. حتى أننا كثيراً ما نسمع عن راشدين يتجهون لسلوكيات غير سوية كالخيانة بأنواعها. وما ذلك إلا لمحاولة إشباع ما حرموا منه من عاطفة، حيث يشكل هذا السبب الأكثر تأثيراً في دفعهم إليها، ومع اتحاده بأسباب أخرى تزداد المشكلة تعقيداً.

وتظهر مشكلة الحرمان العاطفي في النواحي التربوية بصور مختلفة، فتظهر بشكل جلي في الجفاء في التعامل مع الطفل، ونضوب كلمات الحب من قبل الوالدين له. و تمتد فتصبح نمطاً تربوياً ترتبط بالسلوك لا بذات الطفل، كأن يقول الوالدان سأحبك إن فعلت كذا. ولن أحبك إن فعلت كذا. فهي في ميزان المقايضة افعل لتحصل على الحب!. فلن تناله إلا بطريقة مشروطة، وإلا لن تحصل عليه. وهو قابل للتحول بسهولة كلما تغير السلوك.

كما أن التعامل بقسوة مع الطفل وعقابه بطريقة غير تربوية، وطلب المثالية الزائدة في تربيته دون حساب بأنه يتعلم بالخطأ، تشعره بقلة المشاعر الدافئة داخل الأسرة، بالإضافة إلى انشغال الوالدين عن الطفل، وقلة الحوار معه والاستماع إليه، ومشاركته في الحياة والرأي.

كما أن هناك عوامل أسرية تشكل محوراً مهما للحرمان العاطفي، ويمثل الصراع الزوجي أهم العوامل التي تسبب الحرمان العاطفي للطفل. ومنه ينشأ الطلاق وانفصال الوالدين والإهمال والنبذ العاطفي من قبل الأسر والوالدين خاصة مما ينشئ مشكلات تظهر في  إشكال عدة:

كالانحرافات السلوكية والتي من أبسطها العناد، وتتنوع وتزداد عمقا وخطورة بحسب سن الطفل ودرجة الحرمان وسماته الشخصية، وقد تصل للجنوح والسرقة والعلاقات العاطفية المنتشرة أشد الانتشار والتي أصبحت داء العصر لكلا الجنسين في مختلف الأعمار.

بالإضافة إلى ظهور المشكلات النفسية، نتيجة نضوب العاطفة والإحساس بالإهمال، مما يشعره برفضه من قبل الأسرة، وبالتالي المجتمع، فيتجه إما للنقمة على النفس بالانطواء والاكتئاب، أو بالنقمة على المجتمع بسلوكيات ومظاهر تجلب النظر، وتتحدى القوانين والعادات الاجتماعية في فئات ضلت طريقها، بعدما لم تجد نفسها فأوجدت لنفسها فرقاً كالإيمو والبويات. وقد تكون معارضة المجتمع بتحديه وإقامة علاقات عاطفية من نفس الجنس كالإعجاب، أو مع الجنس الأخر والوقوع في الحب والغرام.

و مما لاشك فيه أنها تؤثر على الحالة الانفعالية للمحروم عاطفيا، فتجعله متقلب المزاج، سريع الانفعال، خائفا قلقا لا يثق بمن حوله، مع الشعور بالرفض والإحباط الدائم، مما يزيد من فرصة إصابته بالاكتئاب.

ومن أهم طرق الإشباع العاطفي:

الاهتمام بالطفل منذ صغره، فهو إن كان لا يفهم معنى للكلمات، لكنه يدرك اللمسات الحانية والإشارات الباسمة التي تمنحه القبول. وتعد الرضاعة الطبيعية مصدراً مهماً  للإشباع العاطفي للرضيع، فهي  تمنحه الالتصاق بالأم والقرب منها, ومع تقدمه العمري يصبح الاستماع إليه وتقبله حاجة ملحة لابد من إشباعها. مع منحه الكلمات الدافئة المعبرة والقبول غير المشروط. فلا يستشعر أنه يساوم على محبة والديه له بأي سلوك.

 فالحب والقبول حق من حقوقه يمنح إياهما بغض النظر عن سلوكياته. فالحب لذاته والرفض والانتقاد لسلوكياته الغير منضبطة، وهذا المنهج يشبع الأبناء عاطفياً ويعدلهم سلوكياً.

لذا فان الاحتواء النفسي العاطفي، هو من أهم متطلبات التربية الواعية. وهي لغة بحاجة لأن يتعلمها كل مربي لينشئ جيلاً متماسكاً في قيمه، وملتزماً في سلوكياته. فكلما كان الإشباع أكبر، كلما تقربنا من أبنائنا أكثر، وحفظناهم من السقوط في هاوية المنحرفين والمضطربين.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- eman - السعودية

16 - ربيع أول - 1436 هـ| 07 - يناير - 2015




سلمت يداك

مقاااال رائع حقا
وفوائد عظيمة

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...