الحسون والغراب العجوز

واحة الطفولة » واحة القصص
06 - جماد أول - 1437 هـ| 15 - فبراير - 2016


1

كان يا ما كان: في غابة كلها اخضرار، كان حسون جميل يعيش في سعادة وهناء مع زوجته وأبنائه، هذا الحسون الطائر من العصافير، ويسمى بالحسون الذهبي، يتسم بوجهه القرمزي اللون وبجانبين بيضاويين ورقبة سوداء، يمتد منها خطان سوداوان على جانبي الرقبة، وظهر بني ورمادي، وجناحان سوداوان، وذنب أسود، بأطراف بيضاء، البطن لونه أصفر ذهبي.

يعيش الحسون ويتواجد في الحدائق والأراضي المعشوشبة (العشبية) ويتغذى على الحبوب.  هـذا الطائر الصغير له شدو رقيق وسريع في الصيف، وحتى في الخريف يعيش في مجموعات تصل إلى المئة، تتحرك للبحث عن الأكل، ما بين شهر مايو ويوليو، يبيض مرة أو مرتين، يصنع عشه في الوديان والأشجار ذات الأحجام الصغيرة، ويعد هذا الطائر من الطيور المهاجرة.

ثوبه جميل الألوان الزاهية المتراكبة. الأنثى تحمل ثوب الذكر، لكنها لا تتحلى بمواجه ولمعته، فالأحمر في جبهتها وذقنها أقل اتساعاً وزهاءً مما هو عليه عند الذكر. عند قدوم الربيع موسم التزاوج، يتحوّل اللون البني في جسم الحسّون إلى أكثر بروزًا وقوة. يتبع الحسّون لعائلة الخضيريات التي يكون منقارها قويًا وثخينًا وملائما لتقشير البذور تحضر الأنثى عشها في الأشجار، وتبطنه بالقش والأعشاب الخضراء والصوف والقطن وعفرة الأزهار.

يبني الذكر والأنثى العشّ على شكل صغير ومبطّن. وفي كل مرة تضع الأنثى من ثلاث إلى ست بيضات منقّطة بنقاط بنية. والحسون يخرج في النهار، ويقتات بأعشاب الحقول والجنائن، وبالحشرات الصغيرة والديدان، طيرانه قصير الشوط ومتماوج.

ذات يوم أتاه غراب، وقال للحسون الذهبي: جئتك أيها الحسون الجميل أطلب مساعدة، وأرجو ألا تخييب طلبي، فكما ترى أنا غراب عجوز لا حول لي ولا قوة أعيش وحيدا، ولم أعد أقدر على إطعام نفسي.

رد عليه الحسون الطائر قائلا: وما حاجتك أيها الغراب؟

قال: حياتي مهددة، لقد هجم على عشي ثعلب، فأكل صغاري وبعثر عشي، وتركني بلا مأوى.

 رق الحسون لحالته، و تأمل فيه جيدا ثم سأله: ولكن ماذا جرى لزوجتك؟

 رد عليه الغراب باكيا: لقد أكلها الثعلب!

فقال له الحسون: أنا آسف، ولكن ما المطلوب مني؟

قال الغراب: دعني أقيم معكم كضيف، و سوف لن أنسى جميلكم ما دمت حيا، حتى أتدبر أمري، وأجد مكانا آخر في موطن أبني فيه عشا جديدا لي.

دخل الحسون الأب إلى عشه، وتشاور مع زوجته وأبنائه، لكن الأبناء قالوا لوالدهم الحسون: لا نريد طيورا غريبة، فقد يفسد هذا الغراب علينا سعادتنا. أما الزوجة فقالت: لا بأس من استضافة هذا الغراب المسن، فهو مسكين مشرد و لا مأوى له.

قرر الحسون الأب مساعدة هذا الغراب العجوز، وخرج من العش، وقال له: تفضل ستمضي الليلة معنا، وفي الغد سنساعدك على بناء عش مؤقت لك بجوارنا، وتعدني باحترام قانون موطني فلا أريد أي عش آخر لأي كان من الغربان.

فرح الغراب بموافقة الحسون وعائلته وقال له: إنه وعد مني لك، وإن خالفته فليعاقبني الله.

رد عليه الحسون: إذن اتفقنا.

أمضى ليلة كاملة في ضيافة الحسون الذهبي و زوجته وأبنائه. وفي الغد تعاون الجميع في بناء عش لضيفهم، وجلبوا له الطعام ليسترد عافيته. وظل هذا الغراب أياما وليال وعائلة الحسون الذهبي تمد له يد العون والمساعدة دون كلل أو ملل، وبكل حب، وعن طيب خاطر.

مضت الأيام والأشهر والغراب يعيش في سعادة لا توصف، مستمتعا بالمناظر الطبيعية، ويأكل من الثمار ما لذ و طاب، وذات يوم فوجئ الحسون الذهبي بوجود أعشاش كثيرة في منطقته المعشوشبة، وتساءل عن أصحابها، فعلم أنها أعشاش من الغربان، هم من أقرباء الغراب العجوز، فغضب الحسون الأب وقال له: كيف تسمح لنفسك باستضافة أقاربك من دون استئذان؟

جاء رد الغراب بضعف: إنهم أقاربي وطلبوا حمايتي، وأعتقد أني تصرفت تصرفا سليما؟ ولكني أعدك ثانية، أننا سنرحل يوما من هنا إلى أن نبني أعشاشنا بمنطقتنا.

عائلة الحسون الذهبي ندمت على استضافة هذا الغراب العجوز، و انتظرت رحليهم لأيام، لكن الأعشاش ازدادت كثرة، وأصبحت عائلة الحسون الذهبي تعيش في كآبة و حزن، و نفذ صبرها ولم تعد العصافير الأخرى تسمع زقزقة، بل صارت تسمع نعيقا.

وفي ليلة شتاء باردة، جاءت عاصفة هوجاء، أتت على كل أعشاش الغربان، فبعثرتها الرياح وقضت على من فيها من غربان.

وبعد أن هدأت العاصفة نزل حسون الأب؛ ليتفقد المكان فإذا به يجد الغراب العجوز يرتعد من شدة البرد وهو يتألم، وعندما رأى الحسون رفع رأسه، وقال له: سامحني أيها الحسون لقد عاقبني الله؛ لأني لم أفِ بوعدي لكِ، ثم أسلم الروح و مات شر موتة.

  سمع الغربان بموت العجوز، ففروا بعيدين عن المنطقة التي يعيش فيها الحسون الذهبي. وهكذا عادت من جديد الطمأنينة والسعادة لعائلة الحسون، وأصبح الجو تملأه زقزقة الطيور. وانتهى منها نعيق الغربان.

وتنتهي أصدقائي الصغار قصتنا التي فيها عبر، ومثلما يقول المثل: "اتق شر من أحسنت إليه"، فالحسون الطائر الجميل أحسن للغراب، ولكن هذا الأخير أساء لمن ساعده واستضافه.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- جميلة سلطاني - المغرب

11 - جماد أول - 1437 هـ| 20 - فبراير - 2016




بداية أريد ان اقول شكرا للكاتب على هذه القصة الممتازة و اسلوبه الرائع في السرد بلغة سليمة كما اشكر موقع المرأة لها أونلاين على الاهتمام الكبير بقصص الأطفال و نتمنى ان يستمر هذا العطاء و هذا الابداع خاصة و ان الطفل العربي المسلم بحاجة لقصص كهذه فيها دروس و عبر و مواعظ اختكم جميلة من المغرب

-- حياة المنصوري -

13 - جماد أول - 1437 هـ| 22 - فبراير - 2016




استمتعت و ابنائي بهذه القصة الجميلة و اشكر موقع لها أونلاين و أكيد ان كاتب القصة معروف جدا و قد بحثت في غوغل و لديه كم هائل من القصص الرائعة مثل قصة الغراب و الصخرة التي حازت على أحسن قصة من قصص الأطفال لسنة 2015 و التى نشرت له بجريدة جزائرية اسمها الجمهورية أحتكم حياة

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...