الحوار الفاشل

عالم الأسرة » همسات
20 - شوال - 1438 هـ| 15 - يوليو - 2017


1

المخفقون في حواراتهم، كالخطوط المتوازية، التي لا تتقابل أبدًا، حتى وإن اقتربت حدَّ الالتصاق، يظلُّ هناك ذلك الهامش الفاصل والفراغ الذي لا يمتلئ أبدًا.

 من أسباب إخفاق الحوار أن يكون لدى أحد الطرفين: اعتقاد راسخ أن الطرف الآخر يتبنى وجهة نظرٍ معادية، لما يفكر فيه، أو بالتحديد مضادة لما قرره بداخله، ويريد من الآخر أن يؤمِّن عليه دون جدال أو مناقشة؛ فتراه يأخذ جانب الهجوم من بداية الكلام، ويكون هجومه غير مبرَّر من الطرف الآخر، بل ومستهجنًا في كثير من الأحيان. وتكون النتيجة الحتمية لعدم اتزان هذا الحوار: أن ينغلق الطرف الضعيف على نفسه - إن كان حريصًا على العلاقة بينه وبين محاوره - فيفضل - على الدوام - الاستماع فقط، وتموت لديه الرغبة في الإفصاح عما بداخله. خشيةَ النتيجة الحتمية لهذا الإخفاق، وهي التصادم والخصام. ثم يبحث هذا الطرف المُحبَط عن آخرين، يشجعونه على الحديث بأريحية تامة، فتراه يميل إلى الثرثرة معهم في أي شيء؛ فهو يقول عنهم: إنهم يجيدون فهمي، ويُقبلون علي حديثي بجميع حواسِّهم، ويُحسنون الاستماع إليَّ حتى النهاية، ولا يملُّون الحديث معي حتى وإن كان تافهًا.

          وإن لم يجد هذا الطرف مَنْ يُـحدثه ويجيد فهمه؛ ينغلق على نفسه، فيصمت طويلًا، وقد تسمعه أحيانًا يحدِّث نفسه كثيرًا لأنها ـ كما يقول- أفضل من ينصت إليه. ومع موت تلك الرغبة في الكلام، تنعدم لديه القدرة على إيصال ما يريد لهذا الطرف القوي المهاجِم، فيهرب دائمًا من الحديث الجادّ في الأمور التي تحتمل مناقشات وتصادمات، ويفضل الحياة الهامشية، وتكون ثقته منعدمة في نجاح أي حوارٍ مع صاحبه، فيترك له القيادة كاملة، حتى وإن لم يكن راضيًا عن قراراته وتسييره للسفينة، لكنه يرى أنه -على الأقل- اختصر على نفسه الكثير من الوقت، الذي يُستهلك فيما لا طائل من ورائه من المشادات والتصادُمات التي لا تنتهي.

          هذا الحوار ما هو إلا انتصارٌ لصاحب الصوت الأعلى، وذلك العنيد المتصلِّب الذي لا يسمع إلا نفسه، ولا يحتمل سماع رأي يخالفه، خصوصًا لو كان هذا المخالف مسالمًا، واعتاد دائمًا أن يراه ضعيفًا مستكينًا. وتتكرر هذه الحوارات الفاشلة بشكل شبه يومي في حياة الناس، فهي بين الزوج وزوجته، وبين الوالد وابنه المراهق، وبين الأم وبناتها، وبين معظم الذين لهم سلطة وولاية ومن هم تحت أيديهم من الناس. والطرف القوي أثناء الحوار يكون عالي الصوت، حادَّ النظرات، لا يسمح بالاعتراض، أو بسماع آراءٍ  تخالفه، إلا في أضيق الحدود، وغالبًا لا يصبر كثيرًا على سماع هذه الآراء المخالفة، ولا يصبر على الحديث معهم بأريحية؛ فيضيق صدره سريعًا، وينهي حواره بحدَّة وانفعال، وكأنه يقول لمحاوره: اصمت؛ فرأيك لا يعجبني ورأيي هو الصواب الذي لا يحتمل الخطأ.

          نتيجة هذا الإخفاق في الحوار: تحدث ظواهر وردَّات فعلٍ طبيعية، لكنا نراها شاذَّة وغير مقبولة؛ فالزوجة الثرثارة التي لا تكفُّ عن محادثة صديقاتها، سواء في مواقع التواصل الاجتماعي أو في الاتصالات الهاتفية، إحدى هذه الظواهر. والفجوة الحادثة بين الأبناء وآبائهم نتيجة حتمية لهذا الإخفاق في الحوار، فينصرفون إلى أصدقائهم؛ لارتياحهم في الحديث معهم، ولا يفصحون عما بداخلهم لآبائهم وأمهاتهم، الذين لا يسمعون منهم أثناء الحديث إلا الهجوم والنقد أحيانًا، والاستهزاء والازدراء أحيانًا أخرى. والعصبية والعقوق والعناد، كلها أيضًا نتائج حتمية لغياب ثقافة الحوار الناجح، وعدم الاحتواء في بيوتنا.

 فهل آن الأوان لأن نقف وقفةً جادَّة مع أنفسنا، لتصحيح هذه المعضلة الكبرى، ونتعلم كيف نتحاور برقيّ وحب، ونكفّ عن سياسة تكميم الأفواه ونتقبل الآراء بمرونة وأريحية؟

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...