الرجل الشبح (2ـ2) لها أون لاين - موقع المرأة العربية

الرجل الشبح (2ـ2)

واحة الطفولة » واحة القصص
06 - صفر - 1438 هـ| 07 - نوفمبر - 2016


1

توقفنا في الحلقة السابقة عندما لم يجد الرجل بدا غير التحدي، رغم أن الأخشاب تهوي على جسمه النحيف، يعانق الكلس (الجير) ويقاوم بشدة وبيديه ورجليه لا معول ولا فأس يحملهما.  كانوا معجبين بشجاعته،  وبنيته القوية رغم جسمه النحيف.

 

كل الناس صفقوا له إعجابا، رغم ما أصابهم من هلع و جراح و كسور.  وكان الرجل متأثرا جدا يذرف الدموع ويحييهم، وهو  يقول لهم: هذا واجب علي.

 

سيارات الإسعاف تهرع إلي المكان، وصوت نفيرها يتردد لحث الناس على إفساح المجال للوصول إلى الجرحى والمصابين، لتنقلهم إلى أقرب مشفى.

 وكان الرجل يراقب العمليات  بدقة متناهية، فحتى الممرضات والأطباء يتعاونون معه من أجل إنقاذ المزيد من الجرحى وإسعافهم على عين المكان.

 

تتيبس يدا "الشبح" وهو يحاول إنقاذ المزيد والمزيد من بني جنسه، و ظل هذا الرجل صامتا، يبحث هنا وهناك عن المزيد من الناجين من الجرحى إلى أن بدأت تخور قواه!.

 

 و طوال الليل لم يهدأ له بال رغم المعاناة، و رغم تواصل الارتدادات الزلزالية، كان بين الفينة والأخرى،يمسح بيده العرق الذي يتصبب على جبينه، وأحيانا يهتز حزنا و أسى عندما يخرج من بين الأنقاض جثة شخص ما، فتراه ينحني أمامها حزنا ويترحم على روحها الزكية. ويغطي وجه المتوفى بمنديله الأبيض.

 

اشتد به التعب، وأراد الشبح أن ينام ولا ينام، و أراد أن يغمض جفنيه ولا يغمض، إنه هذه المرة على غير عادته.

 

 وأخيرا: تراءى له الفجر بعيدا، وخانت الشمس الشعاع، وخانت عقرب الثواني كل الساعات وانطفأ النور، وانقطع الماء، وتغيرت ملامح مدينة بأكملها، كانت بالأمس جميلة رائعة، فأصبحت كئيبة حزينة، كيف كانت وكيف أصبحت؟

 و راح يبحث عن جواب، ولم يجد غير الصبر، فكل بيوت جيرانه تهدمت. واستوت بالأرض، كل العصافير فرت فزعا وغادرت أوكارها، كل الأشجار حزينة، وحتى الفراشات طارت لبعيد.

أين بيت جاري فلان؟ وأين مدرستي؟ وأين حدائق مدينتي؟ كل الطرقات تقطعت أوصالها. إنها الكارثة!

 

سمع أنين صوت امرأة تطلب النجدة من تحت الأنقاض، سمع صوت صبي يبكي فزعا سيموت من الجوع، فقدم له طعامه وسمع صوتا خافتا  لفتاة  تئن من شدة الألم والعطش، فسقاها ماءً وضمد جراحها.

 و فجأة صاح الرجل صيحة عاودت فيه الحنين، إنه البطل المنقذ والمسعف، الذي قرر ألا ينحني وأن يكافح و يتحدى الزلزال و لو كلفه ذلك حياته - إنه الرجل الشبح -.

لم يكن بطلنا هذا وحيدا، بل كان يساعد الناس ويقاوم ومعه أحلامه، وأطفاله، وقصائده هي أهله وأصدقاؤه، واسم الله كان آخر ما نطقت به شفتاه، قبل أن يلقاه في سبيل إنقاذ الآخرين.

 

فقط كان يأمل في أن يعانق العيد، ويعانق فجرا جديدا، وتخرج من شرنقته فراشة تنقل عطر الربيع، ناشرة الأمل والطمأنينة في قلوب الأحياء الذين بقوا من الزلزال الكارثة.

 

كان ينتظر الرحمة تنزل على أرواح  الذين لقوا حتفهم. و هم شهداء عند الله بإذن الله.

 

أمله الوحيد أن يرى مدينته تعود إلى حياتها الطبيعية، ولكنه كان يأمل الكثير، مع أن عقرب الثواني قد خانت عقرب الساعات، ورحل عن الدنيا، لكنه لم يرحل عن أهل مدينته، و مع كل ذكرى عيد هو آت لا محالة، الرجل الشبح.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...