الرشوة التربوية (2 ـ 2) لها أون لاين - موقع المرأة العربية

الرشوة التربوية (2 ـ 2)

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
09 - شعبان - 1439 هـ| 25 - ابريل - 2018


1

تكلمنا في الحلقة السابقة عن عدد من المعززات للسلوك الإيجابي، ونستكمل حديثنا عن الرشوة التربوية.

فالرشوة التربوية هي: سوء في إدارة المعزز الإيجابي، بحيث يسبق المُعزز السلوك، بدلاً من أن يكون بعده كمكافأة لحُسنه. بالإضافة إلى سوء تنويع المعززات، وحصرها فقط في النوع المادي والعيني مع تجاهل المعززات الاجتماعية والتشجيعية والأنواع الأخرى. كما أن الإسراف في تقديم المعزز يحوله أيضاً لرشوة تستجدي السلوك الإيجابي.

فالاستمرار بتقديم المعزز بشكل ثابت ومبالغ فيه: يفقد الطفل أهميته، ويصل به لدرجة الإشباع، مما يجعل الوالدين يقدمان المزيد وبشكل أكبر للحصول على دافعيته المطلوبة. أو قد يطالب الطفل بالمزيد ليُنجز، فتتحول العملية مرة أخرى لرشوة سلوكية، بدلاً من تعزيز سلوكي؛ لذا فإنه من الأجدر أن يتم تقديم المعزز بشكل ثابت في البداية ليستثير السلوك، ثم من المهم أن يتباعد بشكل عشوائي حتى يجتهد الطفل بالقيام بالسلوك، توقعاً للحصول على المعزز دون معرفة زمان له فيأتي بالسلوك أوقاتاً كثيرة؛ رغبة في الحصول على تعزيز مع تنويع المعززات، وتجنب حصرها في المعززات المادية والعينية دون غيرها. لأن المعززات المادية خاصة تُشكل نقطة خطر تحتاج لقدر من الدقة في استخدامها وبقيود شديدة، حتى لا تُحول الطفل من سلوك سلبي إلى مشكلة سلوكية أعمق، تستحوذ عليه وتتمكن من نفسه وشخصيته في المستقبل. ويمكن حصر استخدام المعززات المادية في استحداث سلوكيات جديدة، بمعنى لو كان الطفل لا يهتم بتنظيم أدواته بشكل مستمر، فبمجرد ترتيب بعض أدواته ولو بشكل جزئي، يمكن مكافأته مادياً للحصول على نتائج سريعة، مع تثبيت السلوك المطلوب بشكل أسرع وأقوى، ثم الاستمرار في تعزيزه بالأنواع الأخرى من المعززات دون التركيز على المعزز المادي؛ حتى لا تُنتج طفلاً مادياً يستهدف الحصول على المال لا تحسين سلوكه.

كذلك من المهم تنويع المعززات خاصة المرتبطة بالسلوك الديني، مع ربطها بما عند الله من ثواب؛ حتى لا يربط الطفل الأمور الدينية بالمنفعة الدنيوية فقط. فيصبح نهجه الديني بناء على المنفعة الدنيوية، فمتى ما زالت المنفعة تخلى عن بعض الأمور الدينية التي كانت مرتبطة بتلك المنفعة. فكثيراً ما يهتم الوالدان بمواظبة طفلهما على الصلاة، ويقومان بتعزيزه عن كل فرض بمبلغ معين، أو كلما ذهب للمسجد أو عندما يصلي الفروض كاملة ليومه وهدفهما تشجيعه؛ ليتمسك بالصلاة، وهذا أمر جميل، لكن لابد أن يكون الأسلوب والطريقة صحيحتين لنجني الثمار على المدى البعيد. ففي بداية الأمر تبدو الطريقة فعالة، غير أنه بعد فترة يظن الوالدان أنه قد ارتبط طفلهما بالصلاة، ويوقفا المعزز المادي، فيبدأ الطفل بالتراخي عن أداء الصلاة؛ لارتباطه بالمعزز فقط لا بما عند الله من ثواب وملذات، جزاء صلاته.

ومن ناحية أخرى فأسلوب العقاب بالحرمان: هو أيضاً أسلوب مُجدٍ في تعديل السلوك، إن كان بالأسلوب المناسب، والقدر الذي يتناسب مع عمر الطفل ونوعية الحرمان وكميته. فالعقاب بالحرمان هو أسلوب يتضمن سحب امتيازات معينة، كان يحصل عليها الطفل، ويتم هذا الحرمان جراء سلوك سلبي قام به الطفل، ومن المهم أن يكون عقب السلوك مباشرة، ويتم شرح السبب للطفل وما عليه أن يفعله، مع محاولة الابتعاد عن الحرمان من احتياجات أساسية له، بل بالحرمان من معززات اجتماعية أو ألعاب وأنشطة بقدر مناسب بحسب سن الطفل ونوعية السلوك؛ حتى تكون مجدية، مع جعل الحرمان المادي في أضيق الحدود؛ لأن التركيز على الحرمان المادي كحرمانه من المصروف بشكل متكرر مثلاً، أو بانتزاعه منه بشكل يفوق المعقول، كخصم قيمة ما أفسده في المنزل من مصروفه اليسير بقيمة تفوقه أضعافاً، لتستنفذ ما لديه منه أو أكثره يؤدي لمشكلة سلوكية أكبر كأن تدفعه لإشباع الحاجة المفقودة بالسرقة والعناد، نتيجة إحساسه بالحرمان من حق له، وكذلك إحساسه بالنقص عن أقرانه، وبالتالي تدفعه للحصول عليها بأي وسيلة وأي ثمن، فتدفعه للاحتيال أو إثارة سلوكيات سلبية أخرى؛ لذا فتجنب هذا الأسلوب أولى، فهدف العقاب ليس إذلال الطفل وقهره، بل لإشعاره بخطئه، من خلال عمل رابط سلبي بين السلوك والعقاب، ليبتعد الطفل عن السلوك السلبي.

وتبقى الأساليب التربوية معايير لضبط السلوك، عن طريق إطفاء السلوك السلبي، والمحافظة على السلوك الإيجابي، والمساعدة في تكرار حدوثه مستقبلاً بأساليب مرنة، تستهدف السلوك لا شخصية الطفل، ويتحقق ذلك إذا اجتهدنا وحرصنا على نوعية التعزيز والعقاب وأسلوب استخدامهما.    

 فحتماً الأساليب التربوية بكل أشكالها تهدف للرقي بسلوك الأبناء، وتقويم أي انحرافات في سلوكهم. أما الرشوة التربوية فهي سبيل للإفساد السلوكي، وهي في حد ذاتها انحراف سلوكي يجر مشكلات سلوكية أكبر؛ لتجعلنا نُدرك بوضوح أن سوء إدارة السلوك السلبي: أسوأ من السلوك السلبي نفسه.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...