الرضا بقضاء الله في شعر السياب لها أون لاين - موقع المرأة العربية

الرضا بقضاء الله في شعر السياب

أدب وفن » آراء وقراءات
15 - شوال - 1439 هـ| 29 - يونيو - 2018


1

الرضا عبادة عظيمة، ورزق لا يدركه إلا من أسلم قلبه بالكلية لله تعالى، وأصبح موقنا أن ما يأتيه من الله ـ إن كرهه وإن أحبه ـ هو ما يصلح شأنه، كما ورد في الأثر عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ: "ما أبالي على أي حال أصبحت؟ على ما أحب أو على ما أكره؛ لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره؟".

 

بين أيدينا مقاطع من قصيدة "سفر أيوب" للشاعر العراقي بدر شاكر السياب، رحمه الله (1926 ـ 1964م)، وهي من أواخر ما كتب أثناء مرضه بداء عضال ألزمه الفراش، ورغم سوء حالته الصحية، وإصابته بقرح الفراش، وشحوبه وهزال جسمه، إلا أن قلبه كان عامرا بالإيمان والرضا واليقين، وروحه غضة متوثبة بالحمد والثناء على الله تعالى.

 

موضوع القصيدة هو معارضة فنية لموقف نبي الله أيوب ـ عليه السلام ـ ومحاولة تمثله بالدعاء، والإقرار لله بصفة الرحمة، وعلمه بما يعانيه عبده، الذي اشتد به البلاء، حيث ابتلى بالتقرحات والضرر في البدن، بل واجتمعت عليه أصناف شتى من البلاء، ومع ذلك لم يطلب كشف الضر، وقد ذكر القرآن الكريم: "وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ" الأنبياء 83.

 

يبدأ السياب قصيدته بالحمد والتعظيم لله، فالحمد كما يقول العلماء: هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة، والتعظيم:

لك الحمد مهما استطال البلاء

ومهما استبدّ الألم،

لك الحمد، إن الرزايا عطاء

وإن المصيبات بعض الكرم

ألم تُعطني أنت هذا الظلام

وأعطيتني أنت هذا السّحر؟

فهل تشكر الأرض قطر المطر

وتغضب إن لم يجدها الغمام؟

 

في البداية يستهل الشاعر قصيدته بتعظيم الله، وإظهار الامتنان على ما منحه من بلاء، وما أكرمه به من مصيبات تجعله دائم الذكر، وتجعله مشمولا برحمة الله وعفوه، ويبالغ في شكر الله وحمده؛ لأنه أعطاه الظلام، وأعطاه السَحر الذي يخلو فيه بربه يبثه ما تفيض به نفسه ويطلب عفوه ومغفرته.

 

ثم يساءل نفسه منكرا عليها، ما قد يتسرب إليها من تململ يفسد عليه ما يعيشه من رضا ويقين: إن الأرض يجب أن تحمد للمطر أن سقاها، كما يجب ألا تغضب منه إن تأخر عليها، بل عليها أن تنتظره انتظار المحب المشتاق للقاء حبيبه.

 

شهور طوال وهذي الجراح

تمزّق جنبي مثل المدى

ولا يهدأ الداء عند الصباح

ولا يمسح اللّيل أو جاعه بالردى.

ولكنّ أيّوب إن صاح صاح:

لك الحمد، إن الرزايا ندى،

 

وإنّ الجراح هدايا الحبيب

أضمّ إلى الصّدر باقاتها

هداياك في خافقي لا تغيب،

هداياك مقبولة. هاتها!

ثم يصور معاناته في ثوب من الرضا والتسليم بقضاء الله، ويستعرض ألمه المستمر الذي لا ينقطع على مدار شهور، وكأنه الخناجر التي تعمل في جنبه تمزيقا، ولا تشبع من نهشه رغم بزوغ الصباح، ولا ينقذه الموت ليلا من أوجاعها!

 

لكنه كلما اشتدت معاناته: ذكر أيوب ـ عليه السلام ـ، فيصيح بالحمد الذي يحيل هذه الأوجاع إلى ندى وبلسم، يمسح جراحه ويلطفها، بل إنه يراها هدايا الله المحب لعباده الراضين، فيضمها إلى صدره كأنها باقات من الورود، أهديت إليه، فيستقلها بمحبة ويطلب المزيد!

 

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...