الزواج في فلسطين.. فرحة لا تكتمل

عالم الأسرة » شؤون عائلية
28 - ربيع الآخر - 1424 هـ| 29 - يونيو - 2003


الزواج في فلسطين.. فرحة لا تكتمل

غزة ـ سامية الزبيدي

 

 

 

 

 

في منتصف يوم حار، حثت سعاد الخطى، وذراعها معلقة بذراع زوجها أنور، فيما يدها الأخرى تمسك بأطراف ثوب زفافها، محاولة اختراق رمال البحر الكثيفة الناعمة.

مضت سعاد وشريك عمرها، يقطعان المسافات الطويلة من الرمال ومن ورائها جمع غفير من أسرتيهما، تابعوا المسير في صحبتهما، مدة تزيد عن نصف ساعة.

سعاد وأنور اللذان حددا موعد زفافهما مسبقاً، لم يكونا يعلمان بان مزاج قوات الاحتلال الإسرائيلي سيكون لسعادتهما بالمرصاد، فمن دون أي سبب قررت قوات الاحتلال إغلاق الطريق الساحلية التي تصل محافظتي غزة والوسطى التي يقطنها العروسان، وأقامت حاجزا عسكرياً عليها، بعد أن كانت أغلقت طريق صلاح الدين الذي يحاذي مستوطنة "نتساريم" اليهودية الواقعة جنوب مدينة غزة منذ بداية انتفاضة الأقصى، ما اضطرهما إلى الالتفاف حول الحاجز الإسرائيلي، بالسير بمحاذاة البحر.

وفي مكان آخر، وزمن يمتد إلى ما قبل الانتفاضة، قرر "بدر" الذي يقطن مدينة طولكرم بالضفة الغربية أن يتقدم لخطبة ابنة عمه، التي تقطن قرية الزوايدة وسط قطاع غزة.

وبعد أن حصل على موافقة العروس وذويها، حزم بدر وعائلته أمتعتهم، متجهين صوب منزل عروسه، لإتمام إجراءات زواجه وعقد القران.

وعلى أجنحة من الحبور والهناء، عاد بدر إلى مدينته، وهو يمني نفسه بقرب زفافه من خطيبته وحبيبة قلبه هبة، فما هي إلا أشهر قليلة وتنهي هبة دراستها للثانوية العامة.

وانتظر العروسان على أحر من الجمر، لكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه، ويشاء الله ـ سبحانه ـ أن تندلع الانتفاضة أواخر رجب 1422 هـ، وتزداد اشتعالا بازدياد أعمال القتل والتدمير الإسرائيلي للبشر والشجر والحجر.

وتمر الشهور وتنهي هبة دراستها، ثم يمر عام، يتبعه آخر، وبدر وهبة لا ينقطعان عن السؤال "متى ستبدأ قوات الاحتلال بإعطاء تصاريح دخول إلى القطاع" (لا يسمح للفلسطينيين أن يتنقلوا بين الأراضي الفلسطينية إلا بتصاريح من قبل الدولة العبرية محددة بساعات أو أيام محدودة في أحسن الأحوال).

وبعد جهد كبير، حصلت هبة ووالداها فقط على تصاريح بدخول الضفة، تمتد إلى ثلاثة أيام لا غير، يوم أول لتودع هبة إخوتها وأقاربها وصديقاتها و و و.. وتحزم أمتعتها وتغادر فيه قريتها إلى مكان لم تألفه من قبل.. ويوم ثان لتزف فيه إلى بدر بحضور عائلته ووالدها ووالدتها فقط، من دون إخوتها وباقي عائلتها، ويوم ثالث لتودع فيه ما تبقى لها من حياتها الماضية مع وداعها لوالديها.

عاد والد هبة ووالدتها إلى قريتهما، يجران فرحتهما في نعش من الفراق والألم والقلق على ابنتهما، فيما هبة لا تجد لفرح اللقاء بزوجها وحبيبها بدر أي طعم.

أما جمال من مدينة خانيونس جنوب القطاع، فله قصة مماثلة مع خطيبته أسمهان التي كانت تسكن مخيم جنين شمال الضفة، إلا أن حاله لم يكن في حسن حال بدر، فلم يستطع جمال الحصول على تصريح لخطيبته، فاستعاض عن ذلك، بخطة طويلة اخذ يرسمها تحت وطأة الانتظار الطويل الذي يكابده وخطيبته للسنة الثالثة على التوالي من عمر الخطوبة.

خاضت أسمهان ووالداها رحلة طويلة وصعبة ومكلفة، للوصول إلى خانيونس، سافرت فيها من الضفة إلى الأردن ومن هناك إلى القاهرة في مصر، ثم رحلة طويلة أخرى عبرت خلالها صحراء سيناء وصولا إلى معبر رفح الحدودي، قبل أن تصل إلى القطاع، حيث ينتظرها جمال فرحا بنجاح خطته.

إلا أن فرحة جمال لم تكتمل، فحفل الزفاف الكبير الذي كان يحلم بإقامته دائما، لم يكن مناسبا في ظل الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه القمعية، التي لم تترك عائلة فلسطينية إلا وسقط احد أبنائها شهيدا أو جريحا أو أسيرا.

هذه القصص غيض من فيض ما تمتلئ به جعبة الفلسطينيين المحاصرين داخل أقفاص مختلفة الأحجام، بعد أن قسّمت قوات الاحتلال قطاع غزة والضفة الغربية إلى كانتونات صغيرة، تمنع الفلسطينيين من التنقل بينها بحرية، وتمضي فيهم قتلا وتدميرا وتجريفا.

وعلى رغم هذه الإجراءات، فان قوة الحياة ترغمهم على المضي قدما، تحت شعار "الحي أبقى من الميت"، إلا أن طائرات ودبابات واليات الاحتلال لا تفتأ إلا أن تعبث بما تبقى لهم فتحول حياة الأحياء منهم إلى معاناة مستمرة، لا محل فيها لفرح أو سرور.

فمنذ الانتفاضة.. خلت الأعراس الفلسطينية، من أفراحها وتقاليدها المتميزة، فلم نعد نرى التجمع العائلي من كل صوب في منزل العروسين،  ولم نعد نرى زفة العريس، و لا زفة العروس، ولا صوت الأهازيج التراثية.

واقتصرت مراسم الزواج، على تجمع بسيط لذوي العروسين، يصطحب بعده العريس عروسه إلى منزل الزوجية في صمت.

لمعرفة كيف يتكيف الفلسطينيون مع ظروفهم الصعبة؟ وكيف يزرعون في حقل الشوك زهرة، وفي عتمة الموت شمعة؟!! "لها أون لاين" أجرت الحوارات الآتية:

تقول سعاد "لقد حددنا موعد الزفاف ونحن نعلم الظروف الصعبة التي نعيشها، واتفقنا على أن يكون حفل الزواج في أضيق الحدود واقل التكاليف، ومن دون أي مراسم احتفالية، إلا أننا رغم كل هذا التضييق، لم نتوقع أن نضطر إلى قطع الحاجز سيرا على الأقدام خاصة على رمال البحر".

وأضافت "كانت لحظات صعبة جدا في حياتي، أن أسير بثوب زفافي وفوقي عباءة سوداء ضخمة على شاطئ البحر، والجميع ينظرون إلينا في استغراب".

وتضيف سعاد في رهبة من يستذكر حدثاً مخيفاً: "على رغم كل هذا التنغيص من قبل قوات الاحتلال، الذين يتفنون في اتخاذ كل الإجراءات التي تجعل حياتنا أكثر صعوبة، إلا أنهم لم يكتفوا بذلك بل قاموا بإطلاق النار علينا ونحن نسير على الشاطئ".

وتصف تلك اللحظة: "كان الرصاص يتطاير فوق رءوسنا، في شكل مخيف، إلا أنه كان من الواضح أن جيش الاحتلال لم يكن ينوي قتلنا، بل إخافتنا، أو التسلية على حسابنا، وكأننا مجموعة مهرجين على مسرح، يراقبوننا ونحن نجري مذعورين من هنا إلى هناك".

أما هبة فقد كان لمعاناتها شكل آخر فتقول: "كانت أقسى لحظات عمري، عندما ودعت أمي وأبي في وقت كنت في أمسّ الحاجة لوجودهما إلى جانبي، على الأقل في الفترة الأولى من زواجي، وعلى رغم وجود بدر إلا أنني شعرت بالوحدة الشديدة".

وتضيف: "ألا يكفي الاحتلال أنه حرمني من أن أزف وسط أهلي وعائلتي وأحبائي، ليحرمني أيضا وجود والديّ معي ولو لعدة أيام".

فيما تؤكد أسمهان لـ"لها اون لاين" أنها لم تسمع في حياتها بظلم اكبر من الظلم الذي يرزح تحته الشعب الفلسطيني، قائلة: "هل من المعقول أن أسافر عبر دولتين، بينما لا تزيد المسافة بينني وبين زوجي عن 150كيلو متر".

وتضيف: "لقد تحملنا طول الرحلة وعناءها، بالإضافة إلى تكاليف هذه الرحلة الباهظة بالنسبة إلى أوضاعنا المادية"، وتشير إلى ما تعرضت له هي و ذووها على معبر رفح الحدودي الذي يربط القطاع بالعالم الخارجي، من معاناة قائلة: "مكثنا في معبر رفح يومين كاملين ونحن ننتظر أن يأتي دورنا في الإجراءات الطويلة والمعقدة التي تتبعها سلطات الاحتلال هناك" قبل الدخول إلى غزة.

وتُجمع أسمهان وهبة وسعاد على أن حرمانهن من حفل الزفاف الذي تنتظره كل فتاة كان أكثر الأمور قسوة عليهن وعلى ذويهن.

وعلى رغم ما تشعر به أسمهان ومثيلاتها من معاناة، لا تطاول معاناة من فقدن ابنا أو أخا أو زوجا، وهن كثر في هذه الهجمة الشرسة لقوات الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن الهم يبقى مشتركا والمعاناة تبقى مستمرة.

 



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- احمد الخاياي - أفريقيا الوسطى

18 - صفر - 1432 هـ| 24 - يناير - 2011




ياعمي بدنا حجات نفهم اكثر من هيك ياريت تكتبي ما الانسان ان يستفيد من الجواز غير الابناء

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...