السبات الزوجي!

عالم الأسرة » هي وهو
10 - ربيع الآخر - 1441 هـ| 08 - ديسمبر - 2019


1

يُعرف السبات بأنه حالة من الخمول السلوكي وانخفاض في الوظائف الحيوية، أو الراحة من الأنشطة بمختلف أنواعها السلوكية والفكرية لبعض الكائنات الحية في إحدى فصول السنة للحفاظ على حياتهم؛ لعدم قدرتهم على التكيف مع الأجواء القاسية في ذلك الفصل.

غير أن السبات الزوجي هو سبات لكن من نوع آخر، له نفس الهدف تقريباً وهو الحفاظ على الحياة،لكنه هنا لا يحافظ على حياة أحد الزوجين إنما على الحياة الزوجية ولا يقتصر على فصل من فصول السنة بل يتميز باستمراره على مدار السنة. وتظهر ملامحه على هيئة ركود التفاعل بين الزوجين وفي البرود العاطفي بالدرجة الأولى مع سلوك جامد يحمل بعض ملامح التجنب لفترة ليست قصيرة.فضلاً على نضوب في التفاعل بين الزوجين بدرجة واضحة وكأن كليهما يعيش في عالم مستقل؛نتيجة عدم التكيف والانسجام بينهما.

وينتج هذا السبات الزوجي من عدة أسباب يمكن حصر أهم سببين له:

  الأول: الروتين في الحياة الزوجية.

والثاني: كثرة المشكلات الزوجية.

وكلا السببين يؤثر ويتأثر بالآخر، فالروتين طويل الأمد كفيل بجعل المشاعر والسلوكيات بين الزوجين رتيبة مملة باهتة تُؤدى بطريقة آلية لا حياة فيها فينقل الحياة الزوجية بشكل تدريجي للسبات. وأحياناً يكون هذا الروتين سلاحا يتخذه الزوجان لتجنب المشكلات لتسير الحياة بطريقة آلية دون أن يكون هناك تفاعل يوصل للمشكلات والخلافات. وذلك نتيجة كثرة المشكلات بينهما فاتخذا من الروتين أو تجنب التفاعل حلاً للحفاظ على حياتهما الزوجية، والتقليل من الانزعاج الناتج من المشكلات. كما أن كثرة الخلافات أيضاً تسبب الجفوة بين الزوجين وموت المشاعر وقلة التفاعل بينهما فتكون النتيجة في كلا الحالتين الوصول للسبات الزوجي بينهما ظناً منهما أن في ذلك حفاظاً على الحياة الزوجية من الانهيار. وما علما أن خطر السبات يوازي خطر المشكلات إن لم يكن أشد خطورة لما فيه من موت بطيء للمشاعر الإيجابية وللحياة الزوجية بشكل عام.

وقد يعتقد البعض أن قتل الروتين يكون بتغيير الشكل الخارجي وتبديل مظهر البيت وقضاء بعض الوقت خارجه فقط. فبالرغم من أهمية هذا النوع من التغيير إلا انه غير كاف أبداً لأن التغيير الأهم هو تغيير المضمون الداخلي إذ أن تغيير الشكل يُحدث البهجة لبعض الوقت لكن سرعان ما يُحدث التعود الملل ويعود الروتين من جديد. أما تغيير المضمون يكسو الأحداث اليومية لوناً جديداً لأن فيه تغيير في طريقة تعاطي الزوجين للأحداث من حولهما وتعاملهما مع بعضهما فتغيير الداخل يساهم في تغيير الخارج بشكل أكبر وأعمق.

وعادة ما يحد الروتين وكذلك المشكلات المتكررة من التواصل الجيد فكل زوج يؤدي مهامه وأعماله بطريقة آلية. سواءً بسبب الانشغال والملل من الرتابة أو تجنباً لإثارة المزيد من المشكلات. لكن حين يغير أحدهما كمية ونوعية التواصل مع الآخر يخلق أجواءً مختلفةً.. لكن كيف يمكن أن يغير الزوجان تواصلهما؟

إن الحياة الزوجية كثيرة الشبه بمعادلة رياضية لها حدان مضافان لبعضهما؛ ليظهر ناتج كمي لهما ولا يتغير هذا الناتج إلا بتغيير أحد أطراف المعادلة حتى لو لم يتغير الطرف الآخر فإن أي إضافة يضيفها أحد الزوجين للحياة بينهما تؤثربالناتج النهائي. لكن التغيير حتماً يختلف بنوعية الإضافة وكميتها، و من المؤكد بأن حصول التغيير الإيجابي من كلا الطرفين يؤدي لتغيير جذري لحياتهما وهو الأفضل ولا شك في ذلك ..لكن لا يمنع من أن يبدأ أحد الزوجين بالتغيير فقد يتبعه الزوج الآخر أو على الأقل يُحدث فرقاً يعمل على تغيير حياتهما وإن لم يتغير الآخر.

إن خطة التغيير دائماً تبدأ من القناعة بوجود مشكلة أو الحاجة للتغيير بشكل أفضل ومن ثم البدء بالخطوات والتي تشمل نوعين من التغيير؛ لتحسين التواصل بينهما وحل الكثير من المشكلات:

  • تغيير في طريقة التفكير تجاه الزوج الآخر وتعاطي الأحداث الحياتية الزوجية
  • والتغيير في سلوك الزوجين أو أحدهما تجاه الآخر
  • إن تغيير السلوكيات والأفكار لا شك أنه أهم من تغيير الشكليات. فالتفاعل في الحياة الزوجية يتخذ مساراً في الغالب يكون ثابتاً بمجرد مرور بضع سنوات على الحياة الزوجية. فلا يفكر كلاهما بطريقة مختلفة تجاه الآخر على اعتبار أنه يفهم زوجه جيداً من خلال العشرة بينهما لكن الواقع مختلف تماماً،فكل فترة زمنية وكل مرحلة عمرية هي واقع جديد يحتاج من كلا الزوجين طرح ما اتخذاه من أفكار عن حياتهما الزوجية وعن شخصية زوجه الآخرعلى طاولة الحوار وذلك؛ لتَغيّر المفاهيم والنضج الشخصي ومفهومهما عن الحياة والسعادة كما تتغير احتياجاتهما أيضاً ..لذلك من المهم أن يطرحا جانباً كبيراً من معتقداتهما وأفكارهما ويناقشا من جديد مفاهيم قديمة باحتياجات ومتطلبات جديدة بروح الحوار الجذاب الذي يحمل الحب والاهتمام والتفهم وهذا أهم ما يبعث الروح من جديد في الحياة. كما أن التعامل من كلا الزوجين يجب أن يختلف على اعتبار اختلاف الشخصية والاحتياجات مع تقدم العمر ومرور كلا الزوجين بتجارب جديدة؛ مما يحتم أن يختلف تعاملهما والأفضل لو اعتبر كلاهما أن زوجه شخص جديد ببعض طباعه وسلوكياته وحاول أن يتفهمه من جديد. فينظر لسلوكياته بنظرة تهدف إلى إعادة التقييم الحالي فلابد من حدوث اختلاف عن السابق فربما كان الزوج عصبياً أو لا يتحمل المسؤولية بشكل مناسب.. لكن حتماً مع الوقت وخبرة العمر والمسؤوليات سيبدأ التغيير فلم ينحصر التركيز على سلبيات مضت؟!

    وكذلك المرأة ربما لم تكن على القدر الكافي من التوفيق بين المتطلبات الزوجية والمنزلية لكن بالتأكيد أن شيئاً ما قد تغير مع الوقت ومرور السنوات فلابد من الالتفات إليه ليتطور ولا يهمل فيندثر. لذا من أفضل ما يقوم به الزوجان هو أن يجددا نظرتهما لبعضهما ويُعيدا تقييم احتياجاتهما وسلوكياتهما من جديد.

    والتغيير لا يكون دائماً إيجابياً في الزوجين. فقد يتغير أحدهما نتيجة الضغوط أو ترسبات الماضي في اتجاه سلبي.. وذلك أيضاً يحتاج لوقفة وطرح ما حدث من تغيير للنقاش وتفهم الدوافع والاحتياجات.

    ومن المهم معرفة أن البدء في التغيير سواءً كان بالأفكار أو بالسلوك فالنتيجة واحدة تقريبا ً؛ لأن كلا التغييرين لهما نفس الهدف ويتداخلان بشكل كبير للوصول للنتيجة المرجوة. فتغيير الفكرة عن الزوج سيغير السلوك نحوه تبعاً للفكرة مما ينشئ التفاعل بنظرة جديدة. وذلك يحد من الاعتقاد الذي يتكرر بأشكال عدة في الكثير من البيوت (تجنبت الحديث معه عن الموضوع.. لأني أعرف مسبقاً رأيه..) نعم كان له رأي تجاه موضوع لكنه ربما تغير مع الوقت والأحداث الحياتية والنضج الشخصي.. فما يجب تركه هو مناقشة الموضوع بنفس الأسلوب والمنطق السابق للحصول على نتيجة مختلفة. وهذا إن بدأ إحدى الزوجين في التغيير من جانب الأفكار. أما إن بدأ التغيير من جانب السلوك فتغيير أسلوب التعامل مع الزوج وتلمس احتياجاته ومشاركته بعض محبوباته وتقبل سلوكياته فإن ذلك سيوصل لتغير في الزوج الآخر وبالتالي تتغير الفكرة والمعتقد حول الزوج وينكسر الجليد في الحياة الزوجية ويتحرك السبات الزوجي نحو اليقظة بإذن الله.

    إن الهدف هو الوصول بالحياة الزوجية للاستقرار لا للرتابة. فالاستقرار يمنح الطمأنينة لأنها تقوم على الحوار والمشاعر الدافئة.لكن الرتابة القائمة على السبات هي حتماً قتل للمشاعر وجمود للتفاعل وثبات للسلوك؛ليصبح الزوجان كمن يعيش من دون روح. ويترك عجلة الأيام تسير به كيفما سارت أو أن تمشي أيامه بالقصور الذاتي.

    روابط ذات صلة


    المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



    تعليقات
    فضلا شاركنا بتعليقك:
    • كود التحقيق *:
      لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

    هناك بيانات مطلوبة ...