السحور: هدي نبينا ومطية صومنا

عالم الأسرة » همسات
19 - رمضان - 1437 هـ| 25 - يونيو - 2016


1

السحور من الوجبات المميزة للمائدة الرمضانية، وتميزها الفريد في كونها سنة وطاعة وعبادة قبل أن تكون مجرد وجبة. إنها وجبة مفعمة ببركة رمضان وهدي النبي العدنان - صلى الله عليه وسلم-، كما أنها تتفرد بنوعية خاصة من الأطعمة التي تعين على الصيام وتخفف من الإحساس بالعطش والجوع، فضلا عن كونها محطة أمداد تغذوية لبداية يوم صوم باطمئنان ورشاقة منقطعة النظير. 

الوجبة المباركة

السحور سنة مستحبة،  لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن السحور بركة أعطاكموها الله فلا تدعوها» [رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني] «إن الله تعالى جعل البركة في السحور والكيل» [صحيح الجامع: 1735] «البركة في ثلاثة: في الجماعة، والثريد، والسحور» [صحيح الجامع:2882] «عليكم بهذا السحور فإنه هو الغداء المبارك» (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني)، «تسحروا فإن في السحور بركة» [رواه البخاري].

فيُسن السحور ويسن تأخيره، لأنه مما يقوي المسلم الصيام، ويخفف عنه مشقة الصوم؛ حيث يقلل مدة الجوع والعطش، وقد جاء هذا الدين بالميسرات، التي تيسر على الناس عباداتهم، وترغبهم فيها، ومن ذلك تعجيل الفطور وتأخير السحور، فيسن للمسلم الصائم أن يقوم إلى السحور ويتسحر ولو بالقليل كالتمرة أو شربة ماء، عملاً بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفي السحور فائدة أخرى روحية، وهي التنبه والاستيقاظ قبل الفجر، فساعة السحور يتجلى الله فيها لعباده، فيجيب من دعا، ويغفر لمن استغفر، ويتقبل ممن عمل صالحًا. وما أعظم الفرق بين من يقضي هذا الوقت ذاكرًا تاليًا، ومن يمر عليه راقدًا نائمًا.

والبركة أصلها الزيادة وكثرة الخير، وسبب البركة في السحور أنه يقوي الصائم وينشطه ويهون عليه الصيام، بالإضافة إلى ما فيه من الثواب، فالذي يتسحر يبارك له في عمله، فيوفق لأن يعمل أعمالاً صالحة في ذلك اليوم، بحيث إن الصيام لا يثقله عن أداء العبادات والأذكار وسائر الطاعات، وعن سائر شؤونه الحياتية الخاصة، بخلاف ما إذا ترك السحور، فإن الصيام يثقله عن النفع العام لشدة الجوع وانخفاض نسبة السكر بالدم، فضلا عن الضجر بسبب الجوع والعطش وربما الصداع.

ومن منافع السحور أيضا: أن الصائم إذا تسحر لا يملُّ إعادة الصيام، بل يشتاق إليه، خلافاً لمن لا يتسحر؛ فإنه يجد حرجاً ومشقةً يُثْقِلان عليه العودة إليه. لذلك قال صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن يَصُوم فَلْيَتَسَحَّرْ بشيءٍ» [رواه أحمد، وصححه الألباني].

ومن بركات السحور حصولُ الصلاةِ من الله وملائكته على المتسحرين، فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين» [رواه ابن حبان، والطبراني، وحسنه الألباني] والصلاة عليهم أن يشملهم بعفوه ورحمته ومغفرته، وصلاة الملائكة الدعاء والاستغفار لهم.

كما أن السحور من خصائص هذه الأمة النبوية، ومن شعائر المسلمين الفريدة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر» [رواه مسلم].

وللإمام ابن العربي في كتابه الماتع (عارضة الأحوذي) قول جامع بشأن السحور حيث قال: «والبركة هي الإنماء والزيادة وهي من خمسة أوجه: قبول الرخصة، وإقامة السنة، ومخالفة أهل الكتاب، التقوي على الطاعات، وفراغ البال من تعلقه بالحاجة إلى الطعام، فربما لم يف بالمقاساة له والصبر عليه».

أفضل الأوقات

يبدأ وقته بعد منتصف الليل، لكن من السنة النبوية تعجيل الإفطار وتأخير السحور، وبذلك سمي السحور لأنه يقع في وقت السحر وهو آخر الليل. قال -صلى الله عليه وسلم-: «بكروا بالإفطار، وأخروا السحور» [صحيح الجامع:2835]

وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور» [رواه البخاري ومسلم].

وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم-: «ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة» [صحيح الجامع:3038].

وفي هذا الإرشاد النبوي توازن زمني بين الوجبتين، فإنه إذا اقترب السحور من الإفطار طالت فترة الصوم، ولم يحقق السحور الفائدة المرجوة منه.

كما روى عمرو بن ميمون, قال: (كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أعجل الناس إفطاراً وأبطأهم سحورا).

وقيل لأنس -رضي الله عنه-: «كم كان بين فَرَاغِهِمَا من سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا في الصَّلاة؟ قال: قَدْرُ ما يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيةً»رواه البخاري. وفي التأخير ضمان لأداء صلاة الفجر، وإدارك ثلث الليل الآخر وهو من الأوقات الشريفة التي تستجاب فيها الدعوات، فضلا ارتباط السحور ببداية الصوم مما يؤخر الشعور بالجوع والعطش.

توجيهات غذائية

- لم تخصص السنة النبوية طعاما بعينه في السحور، ولكن روى أبو هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: «نعم سحور المؤمن التمر» [رواه أبو داوود، و صححه الألباني]. التمر بالإضافة إلى قيمته الغذائية العالية، فهو خفيف على المعدة سهل الهضم، غني بالسكريات التي تقلل الإحساس بالجوع، وتمد الصائم بالطاقة اللازمة لكافة نشاطاته اليومية، وتجنبه الإحساس بالصداع والإرهاق.

- عن أبي سعيدٍ الخدرِيِّ قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-: «السُّحور أَكْلَةٌ بَرَكةٌ فلا تدعُوهُ ولو أَنْ يَجْرَعَ أحدُكُمْ جرْعةً من ماءٍ، فَإِنَّ اللَّه وَمَلائكتهُ يُصلُّونَ على الْمُتَسَحِّرِينَ» [رواه أحمد وصححه شاكر].

- يجب أن نضع في الاعتبار أن وجبة السحور هي بديل عن وجبة الإفطار، ولذلك ينبغي أن تتمتع بالمواصفات نفسها، من الحرص على الأطعمة الخفيفة سهلة الهضم، وتجنب المقليات والوجبات الدسمة والأطعمة المحفوظة، والإكثار من السوائل المفيدة، كالماء النقي والعصائر الطبيعية الغير محلاة لتجنب العطش، والسلطات والألبان الغنية بالكالسيوم الضروري لصحة المراهقين والسيدات الحوامل على وجه الخصوص.

- من المهم أن يحتوي السحور على مصادر غذائية بروتينية كالبيض المسلوق والزبادي والبقوليات كالفول المدمس، كونها تدعم الشعور بالشبع، بالمقارنة بالنشويات (الأرز والمكرونة والبطاطس ...) التي تزيد الشعور بالجوع نتيجة زيادة إفراز الأنسولين. لكن في المقابل لا نهمل تناول حصة مناسبة من النشويات، لإمداد الجسم بالطاقة لساعات الصيام الطويلة.

- الأم المرضع إن صامت فيجب أن توفر للمولود كمية زائدة من الماء والسوائل ليشربها خلال ساعات الصوم، بجانب الرضاعة من ثديها، وعليها الاهتمام بغذائها من حيث الكمية والنوعية، خاصة الخضروات والفاكهة الطازجة ومنتجات الألبان. كما ينبغي أن تكثر من الرضعات في الفترة بين الإفطار والسحور، ومن أنفع الأشياء في هذا المضمار كوب التمر باللبن حيث يمثل وجبة غذائية متكاملة ومدرة للبن.

- أجسامنا غير قادرة على تخزين كميات إضافية من الماء، حيث يشكل الشعور بالعطش معضلة للصائمين خاصة في قيظ أيام الصيف الحارة، لذلك كان الإسراف في تناول الماء لا يفيد كثيرا في القضاء على العطش؛ لأن الكلية سرعان ما تتخلص منه خلال ساعات، لكن يبقى الاعتدال في كل شيء هو الأفضل (6 أكواب يوميا)، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- القائل: «فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» [رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني] وما أجمل أن نركز على الخضراوات الغنية بالماء (كالخيار والطماطم) من أجل توفير احتياجات الجسم من الماء، مع تجنب الوجبات العالية الملوحة والمعجنات الرمضانية كالكنافة والقطايف.

- السحور من أنفع الوجبات لمريض السكري في رمضان؛ لأنها تدعم مستوى السكر بالدم وتحول دون نقصه سريعا خلال فترة الصوم، هذا بالطبع مع تناول الأدوية الخاصة بتنظيم السكر، والحرص على عدم القيام بأي مجهود بدني في النصف الثاني من النهار، ولذلك نجد كثيرا من مرضى السكري الذين يهملون هذه الوجبة المباركة يتعرضون خلال نهار الصوم لأعراض نقص السكر بالدم المتمثلة في: الشعور بالتعب والإرهاق, والدوار والصداع, زغللة العين, رعشة باليدين, زيادة إفراز العرق وزيادة ضربات القلب. الأمر الذي قد يتفاقم مما يتحتم معه الإفطار فورا.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...