السعادة في داخلنا..

دعوة وتربية
24 - ربيع الآخر - 1441 هـ| 22 - ديسمبر - 2019


1

الكل يبحث عن السعادة..

والحقيقة.. أخطأ من يظن أن السعادة في المال، أو في الزواج، أو في الأولاد، أو في القصور، أو في المناصب!

إن السعادة على قدر بعدها عنا، على قدر قربها منا!

صدقوني.. إن التعيس مهما جاءه من المال سيظل تعيسا، ومهما تزوج أو أنجب العيال سيظل تعيسا.. لأنه يبحث عن السعادة في خارجه!

إن السعادة في داخلنا نحن.. إنها أقرب إلينا من أي شيء!

إنها في طريقة تفكيرنا، إنها في اعتقادنا الجميل عن أنفسنا، إنها في نظرتنا البريئة لمن حولنا، إنها في رؤيتنا المتفائلة للحياة، إنها في تفسيرنا الإيجابي للمواقف التي نواجهها.

إن طريقة تفكيرنا سلاح ذو حدين، إما أن نتعس بها و نضر بها أنفسنا، وإما أن نسعد بها ونفيد بها أنفسنا.

حين تسيطر علينا طريقة التفكير السلبية، تسيطر علينا الظنون والوساوس، يسيطر علينا الكره والحقد، فنقرف من أنفسنا، ونقرف من الآخرين، إننا سنضر أنفسنا أكثر مما نضر أي أحد.

لأن مشاعر الكراهية والغيظ والاستفزاز ستنهش في نفسيتنا نحن، و ستحرق في دمنا نحن، وستدمر في أعصابنا نحن، وستصيبنا نحن بالأمراض والأوجاع، بينما من نكرههم ونحقد عليهم، ربما هم يحيون في سلام مع أنفسهم، وراحة بال وسلامة صدر.

نشر أحد الناس قصة على الفيس أن شخصا سرق منه عددا من الأرغفة، بينما هو يحاسب صاحب الفرن، وشعر بالضيق والاستفزاز وصار غاضبا وناقما على الناس، وعلى ضياع الأمانة بينهم، فكان رد أحد المعلقين: الذي يسرق أرغفة لابد أنه جائع، أو أن أولاده جائعون، فاضطر أن يسرق في زمن انعدمت فيه الرحمة، ثم طلب منه المعلق أن يسامح اللص، وأن يعتبر هذه الأرغفة صدقة له ولأولاده!

إن مثل هذا التفكير الإيجابي، قد يغير من طبيعة المشاعر المسيطرة على الشخص، فيحول مشاعر النقمة والسخط، إلى مشاعر الشفقة والرحمة، وربما لو رأى السارق لأعطاه المزيد!

انظروا إلى طريقة التفكير حين تتغير، كيف تصنع بالمشاعر وكيف تعالج النفوس؟

تذكرني هذه بقصة بعنوان (يدعو لسارقه) منشورة بموقع لها أون لاين تقول: (دخل رجل صالح ذات يوم السوق،

يريد أن يبتاع لنفسه شيئاً ، فوضع يده على رأسه كي يخرج الدراهم من عمامته، فإذ بالدراهم قد سُرقـت!

فلما رأى الناس ما حصل، أخذوا يدعون على السارق بقطع يده ويذمونه، فما كان من الرجل الصالح إلا أن وقف وقال : اللهم إن كانت لمن أخذ الدراهم حاجة يريد قضاءها اللهم فاقض حاجته، وإن لم تكن له بهذه الدراهم حاجة اللهم فاجعله آخر ذنب له! )

بالطبع، إنها ليست دعوة للسرقة، ولكنها دعوة للشفقة والرحمة والتكافل! كما أنها دعوة لحسن الظن وسلامة الصدر!

كذلك هي ليست مبالغة في حسن الظن بالناس، كما قد يتبادر إلى أذهان البعض، وإنما هي مبالغة في حسن الظن بالله تعالى، تعامل مع الله يرتاح قلبك.

إن بعض الناس من أجل أن يهرب من المبالغة في حسن الظن بالناس، أصبح يبالغ في سوء الظن بهم، وأصبح يعاني من نفسه، أكثر مما يعاني من الآخرين..

انظروا إلى طَلحة بن عبدالرّحمن بن عَوف رضي الله عنهما كان أجْوَد قُرَيْش في زَمانِه،

فقالت لهُ امْرأتُه يَوماً :ما رأيْتُ قَوماً أشدّ لؤْماً من إخْوانِك .

قالَ :و لِمَ ذلِك ؟

قالت :أراهُم إذا اغْتَنَيْتَ لزِموكَ ، وإِذا افْتَقرْتَ ترَكوكَ !

فقالَ لها :هذا واللَّه من كرَمِ أخلاقِهم !

يأتونَنا في حالِ قُدرَتِنا على إكرامِهم ،

ويَترُكونَنا في حالِ عَجزنا عن القيامِ بِحَقّهم !

علّق الماورديّ رحمه الله على هذهِ القِصّة في (أدب الدنيا والدين) فقال :

انظُر كَيفَ تَأوَّل بِكَرَمه هذا التأويل حتى جَعلَ قَبيحَ فِعلِهم حَسَناً، و ظاهرِ غدرِهم وَفاءً ، وهذا واللَّه يدُلّ على أنّ سَلامة الصّدرِ، راحَةٌ في الدُّنيا وغَنيمةٌ في الآخِرة، وهي من أسبابِ دخولِ الجنَّة .قال تعالى; (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ) انتهى كلام الماوردي رحمه الله.

إن طلحة رضي الله عنه، لا يهمه إن كان إخوانه جيدين أو سيئين، إنما يهمه أن يكون هو مرتاح القلب وسليم الصدر!

لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: لا يُبَلِّغُنِي أحدٌ من أصحابي عن أحدٍ شيئًا، فإنِّي أحبُّ أن أخرج إليكم وأنا سَلِيم الصَّدر.

إن طريقة تفكيرنا تجعلنا إما أن نصنع من الليمون الحامض شرابا حلوا ، أو أن نصنع من العسل الحلو شرابا مرا!

حتى أصعب المواقف التي قد تمر بالإنسان، يمكنك أن تنظر لها نظرة إيجابية

انظر إلى ابن تيمية رحمه الله يقول: إن سجنوني فسجني خلوة، وإن نفوني فنفيي سياحة، وإن قتلوني فقتلي شهادة.

أي طريقة تفكير هذه وأي نفسية كبيرة وقادرة على مواجهة أصعب ظروف الحياة.. إنها طريقة التفكير!

إن السعادة في داخلنا نحن، وإن الرابح الحقيقي، هو من يتحكم في طريقة تفكيره، فيتحكم في مشاعره، فيسعد نفسه بنفسه!

كن جميلا ترى الوجود جميلا..

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


إبراهيم جمعة

ل. آداب قسم اللغة العربية واللغات الشرقية

ليسانس آداب قسم اللغة العربية جامعة الأسكندرية سنة 1993
مرشد تربوي وتعليمي سابق بشركة الفرسان التعليمية
محرر صحفي ومشرف محور الأسرة والطفولة بموقع لها أون لاين
له عدد من المقالات الاجتماعية والحقائب التدريبية في مجال العلاقات الزوجية وتربية الأبناء


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...